حبيبتي والأوباش.






مشتاقٌ لرؤيتها فهي الصبية التي أذهلتنا وأذابت قلوبنا حبا وعشقا عندما كنا في ريعان الصبا وفتوة الشباب.
عندما وقفت أمام دارها هوتْ عليَ سحائب الذكريات مع زخاتٍ من مطر الفرح والسرور، فها هي السنون جرت و تلاحقت وقد أخذت منا قيمة وجودنا فيها، ودفعنا من أعمارنا فواتير لهوِنا وسرورنا وغبطتنا حتى طار غرابُ الرأسِ و هبطَ مكانه طائرُ (البوم) الأبيض.
و بيدٍ مرتعشة، ذات عروق بارزة، كأنها جذورُ شجيرةٍ صغيرةٍ جرف ترابها السيل، طرقتُ البابَ المهترئ الذي ينبيك بما تَلبَّسه من غبارٍ أنك مقبلٌ على دارٍ أصحابها ملوها فهجروها، وتركوها لقطط الليل وكلاب الشارع. طرقتُ أخرى فلم أسمعْ أحدا يجيب فطرقت الثالثة، تلبسني العجب فها هي آثار أقدام رجلٍ ضخمٍ واضحة عند أسفل الباب. وضعت يدي على الباب فانفتح قليلا مُصدرا أزيزا يخترق جدار الصمت و ينشرُ القشعريرةَ في أرجاء البدن، ويحلقُ بالفكر إلى حياة الجن والجنون.
أدلفت رأسي مع طرف الباب كقطة تبحث عن مأوى، فامتد بصري مسرعاً إلى زاويةٍ في طرفِ الدارِ فإذا به سرير خشبي صغير تحت نافذةٍ تلجُ منها أشعةُ الشمسِ الصفراءَ لتُحاربَ بسهامها ظَلامَ المكان. عليه جسدُ فتاةٍ متهالكة جاثمة على بطنها. حملتُ أقدامي مقدماً واحدة ومؤخرا أخرى، دنوت رافعا حاجبيَّ مستغرباً متسائلاً: ماذا حصلَ في غيابي وماذا أصابَ الدنيا في تلك السنين. ماذا حل من عذابٍ حتى أصبحتْ تلكَ الفتاة التي ملأتِ الدنيا لهواً ولعباً، والتي كانتْ تتراقص فرحاً في تلك المروج الغناء والحدائق الخضراء، تلك الفتاة التي كانت تتمايلُ مع أعشابِ التلالِ يمنة ويسرة, وتُراقصُ الطيورَ المُترنمة حبوراً وطربا، و تتسابقُ مع ماءِ الجداول عندما ينسابُ من قممِ الجبالِ من أثرِ ذوبان جليدِ الشتاءِ الذي ما برح أن ذهبَ ليتركَ هذا الثلج يتصارعُ مع أشعةِ شمسِ الربيع.

كنتُ أذكرها وهي في ريعانِ شبابها تسيرُ في طرقاتِ القرية فما من شابٍ إلا ويُقَدم لها قرابينَ الطاعةِ وفروضَ الولاءِ مُرهقاً عند قدميها دماءَ القلبِ وثمراتَ الفؤاد. كنتُ أستمعُ إلى نوافذِ البيوتِ المطلة على الطريقِ عندما تنفتح غبطةً بمرورها وتنغلق أسىً بابتعادها.
كان شَعرُها المنسدل على عينها اليسرى، الملتوي خلف أُذنها اليمنى ساحرا كل رجالِ القرية الأليفة، جاعلا أعنةَ كبريائهم طوع أمره ورهن إشارته، متيقنون باستحالة مصافحة القمر فاكتفوا معها بالأماني.
تلكَ كانت حالتها واليوم أضحت جثةً هامدةً قد جمدت الحياة في عروقها وبرزت عظامُها فوق جلدِها، جلدُها الذي نما فوق قطع اللباس الذي ترتديه فلا تعلم أثوب يرتدي الفتاة أم الفتاة ترتدي الثوب؟
دنوتُ أكثر لأرى شفاهاً سوداء ذابلةً قد سئمتِ الحياة وشعرا متقصفاً نافراً ضمآناً للماءِ الذي لم يعرفه منذ سنوات، ورقبةً تعفنَ جلدُها و قد أضحت مملكةً الفطريات بلا منازع، رأيتُ كل هذا وهي مازالت منبطحةً على وجهها. وعندما سمعتْ وقعَ قدمي لم تٌكلفْ نفسها الحركةَ أو النظرَ، فقط أكتفت بفتح رجليها.
ذُهلت وأوقفتني دهشتي، فـ(عُرْبَة) وهذا اسمها كانت إله الشرفِ والعفة والامتناع والكف عن كلِ ما يسٌّود صفحةَ أيامها. ولحسنِ الحظ أن تلكُئي أثارَ عندها الاستغرابَ فرفعتْ رأسها المثقل بهمومِ الكونِ وحركتْ جسداً كأنه الجبل وانقلبت على ظهرها وأنيناً يقطعُ نياطَ القلبِ ليتراءى لي صدرٌ ضامرٌ به عِنَبتين ضامرتين من بؤسهما لم يقطفهما أحد على أضلعٍ برزت كأقواسِ رُماة مهرة، ورقبة عليها من آثار أصابع كفٍ كبيرة، فيبدو أن الرجلَ الذي رأيتُ أثارَ قدميه بالخارج كان يريدُ أن يخنقها ويُزهق روحها ولكن حبَ الحياة عندها منعته مراده فتركها تصارع آلامها وجروحها وأما هذا الجسد فهو لا يقوى على دفعِ ضرر ذبابٍ يحومُ على أنفه.
بادرتني: من أنتَ فمظهرُك لا يوحي بأنك منهم؟ لمْ أنبس ببنتِ شفه فانطلقتْ في كلامِها كلبوةٍ جائعةٍ رأت ظبية تعدو.
وقالت وفي صوتها غصات الأنينِ ولوعات الآهات تتقطع على سكاكين الظلم والأحزان وهي مدافعة عن نفسها: لقد أسلمتُ نفسي طائعةً باسمةً تحت عقدِ الزواج الألهي فليس لمثلي أن يخوضَ في وحلِ الدنسِ أو يلجَ أوكارَ الرذيلة.
صرخَتْ باكيةً متحشرجة ودموعها تحرقُ خديها الذَينِ لم يبقى منهما سوى اسميهما: أين أنت يالله ؟ أين رب الرحمة الرحمن ؟ صاحب العزة المنان؟ اللهم إني أرتجي رحمتك وأخافُ عذابك. استرسلت قائلةً: شحماً ولحما أخذوني ثم جلداً على عظمٍ رموني، أهلكوني، تحت أقدامهم المتسخة بالدماءِ والأوحال سحقوني، سلبوني ابتسامات الغزلِ والحب ورموها وراء بحار الذِلة والخِسة ليغشاني ليلُ العذابِ وظلامُ الأنينِ الذي لم ينجلي. نظرتْ إليَّ قائلة وعيونُها شفق الغروب قابضةً بشدة كفاً بكفٍ و عاضةً أسنانها: بكيتُها دماً حتى تخضبت منها أصابعي، فلم يجدي معهم إغماضةُ عينٍ ولا إغلاقُ أذن، فسهامهم الخائنةُ كانت تخترق قلبي قبل جسدي، كانت تَخرج من الداخلِ وما ذاك إلا عظم المصيبة وكبر الطامة ومٌر المكيدة من جبابرة ظلمٍ، خوارون عند الحقِ، شديدو قهر ومُعدَمو إنصاف. لا يعرفون من البشرية إلا لذتها الزائفة التي تُبنى على أنقاضِ حياةِ أنثى، هي في حياتهم نصفُ جسدٍ سفلي لا أكثر، امتصوا حياتي كما تمتصُ رمالُ الصحراء العطشى قطرات المطر أو كما يمتص الدبور ضحيته أو البعوضة من فريستها بل كسبعٍ يمتكُ عظماً، بل كما الصياد والطريدة والقاتل والذبيحة والفاتك والغنيمة كذلك كانوا وكنت. هناك أشياء مني تنزف ليتغذى بها ضَّارٍ من الضواري.
ما زلتُ أقفُ أمامها وجسمي كغربالٍ مُخرَّق من رصاصاتِ كلماتها الحارقة، فتنهدَتْ تنهيدةً خرجت معها أضلُعها فأسقطتني بها أرضاً.
ألقتْ بصرَها من خلفِ تلكَ النافذةِ التي كانتْ هي الوحيدة التي تمدها بالحياة وتهبها أسبابَ البقاء، وهي تُطل على بيوت القرية المجاورة لها لتخبرني أن لكلِ بيتِ قصة ولكل دُورٍ هناك مغتصبُ وناهبُ وظالم.
قالت: هل ترى هذه الاثنين والعشرين بيتاً؟ هل تعلم أن بداخل كل منها قصة ألم وحكاية ظلم؟ هل تعلم أن جدرانها تصرخً ونوافذها تئن؟ ودائما بطلُ القصة ذكرٌ مستبد يزأر داخلها ويوطأ على أنفه خارجها.
وذكري أنا ليس بالمختلف، فهو مثل غيره، قطٌ في صورة أسد، جبلٌ من الإسفنج وصحراء من الملح. تزوجته وهو فقير معدم لا يملك إلا غطاء عورته وهو كله عوره من رأسه لأخمص قدميه.
أول ما رأيته كان كسبع جسور وفارس مغوار يجندلُ الخصوم ويفرقُ الجموع، شجاعة مع بسمة ورجولةٌ مع عطف، شاعرا جزلا يصوغ الكلمات التي تُشعرك بحياة الأمل.
 دفع مهري كاملا للحق أقول، و ياحسرتاه فالفرح لم يكتملْ والبسمةُ قد تغتال بخنجرِ الكذب والضحكة تُخنق بحبل الخيانة، فما كان مهري من ماله ولا من حلاله. فقد بان لي أنه مخلوقٌ عجيبٌ له جلدُ أفعى ناعم مع أنياب ضبعٍ ومخالب وحشٍ، كان يشرفُ على الموت كل يوم من أجلي كما كنت أظن واسمع، ليزيلَ من الساحةِ عشاقي ويقتلُ في المعركةِ من كان يحلم بأحضاني. ولكن كما قلت فالمال ليس ماله والجهد ليس جهده فما سمعته من قصص ومغامرات ما كانت إلا مسرحية حيكت خيوطها بليل. وما علمتُ هذا إلا بعد فوات الأوان وطيور الطيور وجفاء الينابيع و عطش الجداول.
تهللَ وجه هذه الفتاة المسكينة عندما رأت تأثير كلامها على محياي فاسترسلتْ رافعة صوتها: جعلتُهُ زوجي فسلبَ روحي، ملَّكْته حياتي فاغتصب مالي، رفعْتُه على رأسي فغرز خنجره في جبهتي. ألغى اسمي وألحقني باسمه وأحرقَ كل الأوراق التي تثبتُ أصلي و فصلي ونسبي ومحياي ومعاشي. كنت (عُرْبَه) في الصباح وأضحيت ( سُعْدِية ) قبيل انتصاف الشمس في كبد السماء. بعد هذا كله، أزالَ قناع الكذب الذي ارتداه على وجهه الكئيب وأطاح بعباءة الدين التي كان يلبسها وأسقط العمامة الأزهرية من على رأسه، وأزاحَ لمحة البشرية التي كان يتسربل بها. وتبدل الحال من حال إلى حال.
أتساءل أين تلك البسمة وأين ذلك العطف؟ زيفٌ وخداع و أخلاق الثعالب. ولكأنك تراني أضع كفاً على أخرى، وأندبُ حالي وألعن حظي، استبانت لي أفكاره الدنيئة وطموحاته القذرة كانبلاج صبحٍ عن ليل، طلبَ مني المال ملحا ومتعذرا بفقراء القرية وضعفائها وأراملُها وأنه  يؤثرُ على نفسه ولو كان به خصاصة، ويشبِّه حاله بسحابةِ الشتاء التي تصطبر على برودة السماء لتمطر الغيث على أهل الأرض المساكين، وأن الله قد اختاره ليكون قيماً وسيداً، وتناسى أن الله لا يحب الظلم و لا الظالمين. وليته استكفى بذلك، بل سلب صحتي ونتف أوراقي وأزال جذوري وباع شرفي. ثم أطرقتْ هُنيهة ودموعها كلؤلؤٍ يتساقط في حضنها ثم أكملت وهي تخاطبني بصوتها الناعم كنسيم الصباح: نعم باع أغلى ما كنت أملك، وأغلى ما كان يملك هو أيضا، فشرفي هو شرفه وطهارتي من طهره، ولكنه ديوث قُنْذُعُ لا يُبالي ما يُنال مني. فقد أرشد أصدقائه على بيتي وفي أحيان كثيرة يأخذني أنا إلي بيوتهم. هل رأيت هكذا ذكر، همه سعادته ولذته. فأنا له ولأصدقائه وعلى مرأى منه ومشهد، ليأخذ ما بقي من روحي، كنت أحسبك مثلهم عندما سمعت وقع قدميك فباعدت بي قدمي فهذا هو كل ما أفعل وهذا هو مجلسي الذي أجلسني فيه الشيخ (سعودان).
هنا جمدَ الصوت وسكتتْ الحناجر، ورفعتْ بصرَها تنظرني، وكلام العيونِ أبلغ وبحارها أعمق، فرغم ما قاسته من ألمٍ وجوعٍ واضطهاد فهي تبحث عن أمل، وكأنها رأته عندي وبين جنبي. فقلبُها حن للتحليق كطائرٍ حر، وجسدها يريد أن يغتسل من الأدران ويعود كورقة خضراء تقطر ندىً كل صباح، وروحها تبحث عن أرواح ملائكية نورانية بعد أن خنقتها أرواح البشر الترابية.
اقتربتُ منها ومسحتُ على رأسها وجلستُ بجانبها وأخذت بنانها لألثمه بقبلة الابن البار، فاحتضنتني وجعلتْ رأسي على صدرها وهي تشمُ شعري كأمٍ وجدت ابنها بعد عودته من سنوات الضياع.
نادتني: ابني ابحث عن إخوتك وهلموا إلي مسرعين وانتشلوني من الوحل، ردوا لي بريقي ولمعاني، امنحوني شبابا ضيعته، وعمرا أفنيته، أسقوني من مائي، وقدموا لي من أموالي، ألبسوني ثيابي، دثروني عباءتي. ابعدُوا عني ما يحومُ حول رأسي من خفافيش، وما يدبُ تحتِ من ثعابين.

ابتسمتُ لها وضربتُ بيدي صدري، فإذا بالبابِ يُفتحُ بقوة ويدخلُ الشيخُ مسرعاً وجنودُه، والشررُ يتدفق من عينيه، فيبدو أن له أعيناً ترقب وآذانا تُصغي، نظرت للنافذة المطلة، ثم أزحت بصري عنها ووقفت معيدا النظر للشيخ المُغتصب.أمر أحد جنوده أن يستلَ سهماً من كنانته، وضعه في قوسه، أرسله كالبرق تجاه صدري، سمعت حطام ضلوعي مع عويل (عُرْبَه)


4 التعليقات:

غير معرف يقول...

مسكينه عربه مسكينه ليتها قاومت ولم تسلم نفسها لشيخها الطاغي وبقيت حره فقد سجنت بناتها معها وضلو طريق الحريه تعسا لها من أم ليتني ولدت في أرضا غير أرضها

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

أسعد الله أوقاتك صديقي بندر

لن أتحدث عن الأسلوب الأدبي، والفني في النص، فأنت رسمت لوحات جميلة بالمجاز والاستعارة، واستطعت أحيانا أن تجعل من قبح الواقع جمالا حين وضعته في السرد الأدبي.
اما لو تحدث عن الرمز البارز في النص فهو أكيد أوصل الفكرة كاملة غير ناقصة، ونرجو لعربة أن تستعد بفضل أبنائها النزهاء والفضلاء صحجتها وعافيتها. ونهاية الظلم قريبة.

محبتي

بندر الاسمري يقول...

أشكرك ( غير معرف ) على حسن نظرتك . .أهلا بك . .

بندر الاسمري يقول...

استاذي رشيد أمديون :

شكرا لك على نقدك وحسن توجيهاتك... إن كان هناك من شيء جميل فهو راجع لك بعد فضل الله .. لك تحياتي

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك