وكزةٌ في جنبِ مزهرية .








ما إن وضعت اصبعها السبابة وسمعت صوت رنة الجهاز الذي يُنبئ صاحب الجاكيت والكرفتة المزركشة أنها ولجت كهفها اليومي الذي تتزاحم فيه الدوائر السوداء أمام عينيها مُعلنة طقوس وخزات الإبر التي تتلقاها كل يومٍ ماعدا يوم الجمعة حتى أدركت أن كل من في هذا المبنى يحتقرها.
كانت تستديرُ وراء حاجز الاستقبال تبحثُ عن نفسها التي فقدتها بذات الإصبع التي عانقت القلم لترسم خطوطا متقاطعة تُعلن بها انتحارها.
تقفُ كل غسقٍ أمام المرآة لتملأ رئتيها بكل الهواء المُهيأ لها، وتُسبل جفنيها لتتدحرج دموع الحنين على وجه كان متوردا نضارة وخدودٍ اشتاقت للورد القاني والذي تكفلت بإسقاطه الأيام لتكشف أوراق الخريف وعواصف البرق الشاتئ، كان فقط بكاءً أبكم.
تتبرج بالقليل فلم تعد تجد من يستحق الكثير. تضع يدها على صدرها فيلتهب ضميرها ناراً تأكل كلَ ما في المرآة، ترتدي السواد الذي مزقته قبل أشهر. يرتج لحمُها متوجهة على الطرقات المنقطعة والموحشة، وحيدة إلا من مرآة السائق التي تلتهمها، لم تعد تشعر حتى بالمقعد المهترئ من تحتها. لم تقوى على مقاومة تلك الابتسامة الصفراء التي افتضت مبسمها  لتثير ضحك فؤادها على عقلها الذي رأى في صكوك الغفران و سماع خشخشة المال مفاتيحا للولوج لحدائق البهجة والصفاء ودكاكين الرجال ومراتع الرقص في الخلاء.  
تمر عبر نفس الصحراء التي تُحادثها كل صباح، وفوق نفس الأفعى السوداء التي ابتلعت والدها، وفي هذه اللحظة احتل رأسها امنية أن تجد فم الأفعى، واشتهت دخوله لتبحث عن أسوار الأمان. ترجلت عند ذات المكان الذي تقف عنده لأداء صلاة الفجر. جدران المصلى الصغير كان قد حفظ عن ظهر قلب صورة الفتاة التي تمزقت وحفرت بأصابعها حفرة للأشلاء.
صوت منبه السيارة يُزعج الكثبان والحصى وهي أيضاً، هو ذات الصوت الذي يرتسمُ أمام وجهها قبل النوم كذَكرٍ طويلُ الأنياب، حاد الأظافر، تتقطر الدماء من تحت شعره ويلوح لها بوقت العمل.
تحيي الزبائن المبكرين بحروفِ ألمِ الألم وغصة الموت وحنق الحاضر، صوت الهاتف ما عاد يفزعها، تمتد يدها كآلة لتجيب وتتحدث مع قليل من أداء واجب القهقهة، لم يزد في أجرها، فمها لا يفوح بالرائحة ومع هذا فقد أصبح عُمرها أكبر من قهقهة.
تلتفت لصديقتها بجانبها والتي تحمل نفس فصيلة الألم، تسألها فتجيبها على عجل وهي تشمُ رائحة الأنين المتعفن: فقط أغمضت عيني وأشحت بوجهي لأتركه يسرق مني ما أراد، فقط ارتديت ملابسي وعدت وراء حاجز الاستقبال. لتعتريها مسحة المشاعر الحقيقية للمهانة.  
صدى صوت التهاني بالمنصب الجديد يضرب حِيطان الممرات حتى يطرقَ سمعها، تموت أكثر مشاعر العزاء داخلها، يضحكون من حولها من غير حناجر، الكل واضح الأثر عليه مكان اجراء عملية الاستئصال. بيادق!
تصفق بفخذيها وتسأل نفسها: هم أعلم ما كان القربان؟ تناجي روحها التي تحت المقابر: لماذا هم صامتون؟ لماذا المشي أصبح على الرؤوس؟ والمصانع أيضا أصبحت تصنع أحذية للرؤوس؟ وأغطية للأقدام؟ البكاء نجاح، والفرحة شماتة، والذل سُلم. تناولت المرآة الصغيرة المتصدعة وحقيبتها لتصعد السُلم والذباب يلتصق بأردافها وقد تركت روحَها المخنوقة حد الموت خلف حاجز الاستقبال.
رائحة نظافة الممر تُخفي أبشع القاذورات خلف اللوحات المتعلقة بمسامير هشة تخترق الحيطان مُحدثة ندوبا لن يغطيها التابوت. ورقة التعليمات تقدحُ شرارة الحريق بأنه إذا وصل صاحب اللحية الخفيفة المشذبة فيجب اسقاط القلم على الأرض ثم الاستدارة للخلف والركوع لرفع ذات القلم فلا نريد شكاوى من قلة الذوق.
الضحى، الظهيرة، آخر المساء، بعد العشاء، يهزها السائق عبر الطرق المُظلمة هناك حيث الاجتماع، يجب أن نرفع الأوراق الخضراء حتى ولو كانت مهترئة وممزقة فقط يجب أن تكون خضراء .
تعود بيتها لتقضي ليلة أخرى تجر فيها عربة ألمِ الجرحِ النازف وتمسحها بمناديلها المُعقِمة، لا تملك الصوت ولم تعد الأصابع تثير النشوة، فقط تأملُ في أصابع من غير أظافر حادة تجرحها، كانت الأرض رخوة لا تشعر بها.
ارخت رأسها على وسادة الفئران، وارخت معها جفونا لا ترتخي، رأت في منامها الذي يُماثل اليقظة صورةً لمزهرية منمقة، فاتنة، وكأنها البدر في جلائه، منقوشة بنقش اسلامي أصيل تتماوج فيه الخطوط مع الدوائر عبر خلفية بيضاء لتتقاطع عند ألوان زاهية بنفسجية براقه، كانت المزهرية صغيرة القاعدة ثم تصعد قليلا لتنتفخ بانسيابية هندسية غير مزعجة لتصل لفوهة صغيرة كأنها المبسم الساحر، يشع منها النور ولم توضع بداخلها الزهور. كانت في حضن عجوز جليل فتلقفها منه صاحب اللحية الخفيفة المشذبة ليضعها على حافة طاولة الطعام لتأتي هي وبعصا طويلة وتنكزها مع وسطها لتسقط على الأرض التي ما عادت رخوة وتتحطم لأشلاء تتناثر تحت أقدام المارة.. لم تستيقظ من نومها فلم يكن الحلم حتى مزعجا.



0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك