بلسمُ الداء .








عنان الزمن قد يرخو ثم يشتد، ويد الشمال قد تأتي بالنكباء، وعيون السحاب قد تدمر ما يتساقط دمعها عليه، أوراق الأيام بيد الخلّاق، فماذا لو انقلبت ساعة الزمن، وأصبحت الوَهدة قِمة، وسقط الباسق إلى القاع. لنتخيل نفوق منابع الطاقة، وتوقف الوقود، وتعطل الكهرباء، واختفاء أمريكا، وخسوف مدينة جنيف، وخلو أبراج الاتصالات من الإشارة. لا عربات ولا إنارة ولا لحم مثلج ولا صحف تطبع ولا إذاعة تتنبأ، ولا بوظة ولا حليب للمراعي ولا أنواع الزخارف ولا غيرها، شلل تام في أقدام الحياة مع عمى وصمم في العينين والأذنين.
لا أرى جدوى في طرح سؤال هل نقوى على العيش أم لا؟ فحينها ستتغلب نزعة الحياة في داخلنا وسننجو لا محالة ونبدأ البحث عن رزقنا، والتنقيب عن وسائل الأمن، والتفتيش عن ضرورياتٍ كانت مختفية خلف تقنيات العصر الحديث. سنخترعُ وننتجُ ونبني بيوت الطين ووجار النار ومواقد الطبخ وحلقات النقاش. سنبحث في التراث عن أدوات الزراعة وأماكن النوم وطرق الري ومسالك التجارة الفكرية.
سنتخلى عن كبرياء الأنا، ونلتمُ حول موائد التكافل، سيعود العقلُ ليصب من مصبه، فلا تقليد ولا دخلاء، سنبرع في دباغة الجلد، وصنع السلاح، وابتكار صراخ التواصل في التحبير والتعبير، سنزرع ما نحصد، ونبني ما نسكن، ونجمع ما نأكل، ونُعمِّر ما نحتاج، سننفرُ من طعم الحلوى المغلّفة وأغلال الأفكار المصنعة والمستوردة أمام أقراص العسل الطبيعي وثمار الأشجار ومنتوج الجبال. سنحفر الآبار ونشرب الحق زلالا، سنستجدي الأرض ولن تبخل علينا، وسنتسامر على أضواء النجوم، ونرقب القمر ونحسب السنين وننام بصحة ونصحو بنشاط، ستقل السموم في الهواء وسيكثر الأكسجين، وستتلاشى الهوام من الطير، سننعم بعيدا عن خداع الصورة وزيف الإذاعة، ونمشي بلا سمنة، ولن نحتاج لعمليات ربط المعدة، أو القراءة البنيوية والنقد التفكيكي، سننعم بعيدا عن رسائل (قد تم الخصم من حسابك) ولن نحتاج لـ (تم الإضافة).
 سيعود البشر بشرا، والجار جارا، إن جاء الضيف برزت عادات التكاتف، وإن جار الزمن وقف الجميع مع الجميع، الكفن واحد والناس سواسية وعناقيد العنب تتدلى، ستموت جرائم الحسد وتُغلق سجون المكر وتذوب قيود المادية ويتلاشى استبداد المستبد. هَمُّ الحياة سيتقازم مقتصرا على حاجة النفس وسد الرمق والنجاة ببقية الروح، ستقصر عنا المادة لا محالة و لكننا سنحلق بالروحانيات والفطرة السليمة.
ما بنا؟ هل هو الحنين للماضي؟ أم الشوق للنفس؟ لماذا نشتاق أن نعود لجمال الماضي رغم قسوته؟ لماذا سئمنا تشوه الحاضر رغم رقته؟ أنحن بحاجةٍ لنعيش لحظات مع سمو النفس؟ أم نحن نحتاج للسمو بالوجدان؟ هل فقدنا أرواحنا داخل زحام ماديات الحياة؟  أليس في الإمكان الجمع بين المادة والروح؟ أليس بإمكاننا التحلق حول ضوء يجمع النور والدفء من غير لهبٍ يُحرق أو خفوت يُعتم؟
ما هو إلا حنين لراحة النفس ولجلاء الكدر فالروح والمادة ليستا متناقضتان تماماً، فهما دائرتان متداخلتان في جانب كبير من جوانبها، ولا تنقصنا الثقافة التي تجعلنا نمارس فطرتنا الروحية بداخل أجساد المادة الحضارية. فهي تعاليم لا تتنافى وأن تُمارس في عصر ما بعد النهضة أو ما بعد الحداثة أو ما بعد الخزعبلات  الفلسفية والمصطلحات الجامدة، هي تعاليم تحتاج فقط إلى ميدانِ عمل، فنزعة الخير موجودة بداخل كل نفس، ونزعة الشر كذلك، وما يذكي هذه ويطفئ تلك إلا مقدار انكفاؤك على ذاتك وزهوك بنفسك والعيش في أبراج مشيدة على أكوام الوهم والكبر والغرور.

لننهض ونأخذ من الماضي جمال صُوَره وصباح أنهاره ولمعان مجتمعه ونحيطها ببرواز مطرزٍ بتقدم الحاضر، ومَلاحة نعمه، ووسامة رخائه، ونصنع منها ترياقا يقي من أمراض العصر وهوان القلب و جفاء الفؤاد، فبهجتُنا بأيدينا، وسلمُ عزنا يبدأ من داخلنا، فقط لو بنيناه بخبرةِ حاضرنا ومتانة ماضينا.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

حبيبي أحتاجك..

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك