أمٌ تحبنا،، وأخٌ ينبذنا،،،




أنعم الله عليّ أنا وإخوتي بأمٍ حنونة، عطوفة، فاحشةُ الغِنى وفي ريعان شبابها تحن بالفطرة وتعشق بالطبع وترعى بأمانة، أنجبت إخوة لنا كبارا، بالعمر فقط كبارا، تقاسموا البيت وملكوا الدور والأملاك بشفاعة الوقت المبكر وبتأخرنا عن البزوغ على ظهر الغبراء، فألبسوها لباسا من لباسِ زمانهم وكسوها كساءً من كسوة أيامهم وأسواقهم، وأخذوا منها ليطعموها، حتى قعدت منهم مقعد اللائذة المستجيرة من أوار العقوق وسموم الحميم إلى زمهرير البِر ونسيم البراد، فلاقت منهم رعاية مع تخبط، وحباً مع غيرة، واهتماما مع عمى، وصونا مع عجلة. فظهرت كمظهر العَرفجة وسط حديقة غنّاء أو كالعنزةِ بين قطيع الريم. استمرت بالحمل والولادة فأنجبتنا نحن الصغار فرحةً تنتشلها الغبطة فمنحتنا أرضاً هينة وسُرجاً مضيئة وبيوتا معمورة. نأت بنا من غير ذنب عن ظهر جملٍ  أصهب واركبتنا ناقةً حمراء، فنبتنا في ذات تُربة العقيدة ولكن  على غير ذات الفكر وعلى غير ذات الهوى، كانت سُرجنا تكشف لنا مساحات شاسعة للنظر والرؤية واختيار النهج، وسُبلنا تجتنب بنا مسالك الوعر العسير والشاق الشديد وتركَن بنا للسهل الهين والخاضع المُطاوع، فنبغ منا أخوة أرادوا مسك الزمام من جهة القيام بالدور الموكل بهم من بر وحنان وصدقة، مستضيئين بالعهد الجديد والنور النير، منطلقين من جذور أنشبت أظفارها في قعر العقيدة السمحة، فما أردنا إلا استبدال الثوب المطرز بالثوب العتيق، وترميم بيت الطين لعل أركانه تقوى وحائطه يتجلّد وأبوابه تتسع، فوقف لنا إخوتنا الكبار بكل مرصد وزلزلوا الأرض من تحت أقدامنا نكاية لا إقناعا، وإغاظةً لا إرضاءً، فرفعوا على رؤوس الأشهاد شعارات العهد البائد الزائل، ووصمونا بالجهل وصغارة الهمة وقلة الحكمة وزيادة الطيش وكثرة الغِواية.
أردنا نحن الشباب أن نُبادر للمقود عسى أن نعيده إلى الطريق الممهد المعبد، أو أن نبادر لنصح أو إرشاد أو مشاركة في منصب أو البحث عن منزلة، فقابلتنا جلاميد الصخور هاوية ونيران الحقد مشتعلة حتى أوشكت عصينا أن تتكسر وملابسنا أن تتخرق. أراد الكبار لنا أن نكمم الأفواه ونستسلم ونختفي عن الساحة، لأنهم شعروا أن رومي الصباح سيهزم زنجي الظلام وأن رداء الفجر سيندى وجبين الصبح سيتبدى، فخافوا على حجراتهم أن تتحطم وسُترهم أن تتمزق وينابيع أموالهم أن تجف، فوقفوا وقفةً ضد ذلك، فنادوا في منابر الصحف أن لا للشباب، وخطوا خطوط الإبعاد والتجاهل، وتكاتفت الأيادي لبناء سدٍ منيع يمنع سيول النجاة أن تسقي مزارع الشوك الأبيض. 
لم ننكر نحن جميل ما قاموا به إخوتنا الكبار، ولم نلطخ جبين الأم بالعار، ولا وشمناها بوشوم السواد، ولا فطرنا كبدها بفقد إخوتنا، ولكن لكل طريق عربة، ولكل عربة قائد، فأَزْمَعوا أَمرهم ظلما فإذ بهم إن وُلِد منا نابغة محقوه أو جاحظ أخفوه أو شافعي عيروه فالمقاعد محجوزة والهياكل مُقامة والديناصورات حية لم تنقرض. أغلقوا أبواب البيت عنا وترّسوها بالتُرسِ الضخمة والضِباب المحكمة وأرادوا أن يجعلونا تحت ردائهم عسى أن نبيت في الأحلام مغرورين أو نتخلى عن واقعنا مجبورين. خَوفُهم منا لا مبرر يسنده ولا دليل يقويه فليتهم يزيحون لنا بجوارهم مقعد ويأخذون منا ويمنحون، لنُكمل المسيرة ونتعاون للأخذ بيد هذه الأم المتأخرة لصفوف التقدم علّها ترتقي السلم الذي أعجزها منذ سنوات.  

أُمُنا أثخنتها المآسي وأقعدها الألم مُتصبرة بالنحيب وقد تجاوزتها أمهات الحي والحارة، أُمنا لا تملك من أمرها شيئا وكأنها صُلبت من خلاف، أُمنا لم تقطع أصابعها انبهارا ولم تَبعنا صغارا، أُمنا واسعة المنكب جزيلة العطاء، أُمنا رحيمة حنونة، لم تبخل بالمال الوفير، ولم تمنع العطاء الجزيل ولكن حالها مرير. فمن أجلها أيها الكبار حلوا الوثاق، وأعتقوا الأفكار، واخلعوا عنكم ما سَئم منكم، فلو أن من قبلكم منعكم ما منعتمونا لما كنتم على ما أنتم عليه.



0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك