بداية نهضة .





بداية نهضة

إذا كانت السفينة تجتسرُ البحرَ من دونِ وضوح للرؤية فمصيرها الهلاك، والطائرة مع علو ارتفاعها إن كانت بلا خط مرسوم فارتطامها بالجبل أقرب من وصولها سالمة، ونحن البشر كذلك، فأكبر مشكلاتنا المعاصرة وخاصة الفكرية منها تندرج تحت عدم وضوح الرؤية والتباس المصطلح وغموض المعنى. تركنا لؤلؤ الأعماق واكتفينا بطحالب السطح، وامتهنّا بكل جدارة عمل الببغاء لنطوي خلف شفاهنا لسان الترديد والتكرار فقط.
نفتقر الرؤية الواضحة لما تعنيه الكلمات ونتكاسل في تتبع مسارات المصطلحات فلا نعي ما المقصود وما تؤول إليه النهاية. فكلمات مثل: الحق والصدق أو الجمال والإبداع أو العدل والمساواة فهي متداولة بيننا ولكنها مجرد أحرفٍ تلوكها ألسنتنا في مجالسنا الفقيرة فتنعدم معانيها الحقيقية في عقولنا ثم تظهر الصورة مشوهةٌ لا معالم لها ولا ألوان. اكتفينا بالمعنى الفعلي وحده بلا إدراكٍ بالحواس أو مشاركة بالبصيرة النافذة الناقدة، فلا فرق في معتقداتنا بين نشر العدل أو تحقيق المساواة أو هذا جميل وذاك إبداع، وقس على هذا بقية المصطلحات ابتداء من
قمة الهرم السياسي في تعبيراته وحتى حديث الأب مع أبنائه، فالسياسي يتحدث عن الارستقراطية وهو لا يدركها والبسيط منا يَنصح بتناول الأفوكادو وهو لم يَرَها.

ولنكون قادرين على مواجهة هذا السيل الزاعب من الحضارة المتسارعة ونُعلي من جنبات بيتنا الثقافي فيجب بناء سورٍ من الفكر الواضح في كافة المجالات، أفرادا وجماعات، ولا يتأتى هذا الوضوح والجلاء إلا بالبحث عن الحقيقة في عقول المفكرين والسهر مع كُتبِ المثقفين تحت أضواءٍ من الفكر الناقد والعقل المُقارِن.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك