العدو الوهمي، سبيل التحكم والسيطرة.






عندما يتحدث أحدهم عن ما يُطلق عليه لفظة العدو الوهمي فهو يتحدث عن ذلك الخطر الضبابي والموت المزيف الذي يُخاتِل بالتسلط على الشعوب والفتك بها إن هي لم تساند الحكومات في القضاء عليه، فهو ذلك الشبح الخفي الذي يخفاه الجميع من غير أن يشاهدوه حقيقةً ولكن تواترت الأخبار عن وجوده وإن لم يكن موجودا. بدأ هذا المفهوم يتحول إلى واقع عملي عند محاولة توحيد الصف الداخلي بافتراض أن هناك خطر قادم يستوجب من الجميع الانتصاب صفا واحدا في مواجهته، تطور بعد ذلك ليكون أحد الأسباب التقليدية التي يستخدمها السياسي عند الحاجة لإصدار قرارات استثنائية معاكسة لما تتطلع إليه الشعوب للحد من ثورة غضبٍ قد تنجم إن لم يقتنع الجميع أن هذه القرارات صدرت تحت مصلحة دفع عدو استثنائي خطير ينبثق الموتُ من تحت أنيابه ويرفع دائما أكفه الملطخة بالدماء، فتكون محصلة المعادلة السياسية البسيطة أن العدو الاستثنائي يستوجب قرارا استثنائيا فتهدأ بالنتيجة المُتحصلِ عليها جراحُ شعبٍ ما زالت تُعاصر آلام المخاض. فمن المُخيفِ لباعث القرار أن ينتزع لقمةً من فمِ مسكينٍ بائسٍ من غير سببٍ ظاهر مُخيف، ولكن من السهولة بمكان أن تنسَّل تلك اللقمة من  ذات الفم من غير ضجيجٍ في سبيل ألّا تُنزع روحه بتلك الأنياب المميتة، فالطريقة الأفضل لإسكات أفواه القطط هي في إقناعه بأنك تقف إلى جانبه. ومن هنا أصبحت صناعة العدو الوهمي ضرورة مُلحة تُستخدم للتحكم والسيطرة والقمع والاستبداد في مسرحية يبدو القمع فيها مصلحةً والتنكيلُ منفعةً والمقموعُ ضاحكا والقامع مُتحسِّرا، فبمثل هذه الهزليات نستطيع -عدا إصدار قرارات كانت في حكم المستحيلات- إشغال العامة عن التقصي عن أمرٍ يُحاكُ في الخفاء حتى تكتمل دورة حياكته وتطريز مفاصله ويحين وقتُ ثورته عند ساعة لا ينفع فيها صراخ ولا تجدي لها شكوى. وقد نتمثل مثل هذه الحياكة في إيهامِ الملتحين وإشغالهم بالاصطفافِ والوقوفِ صفا واحدا في وجه (حلِّيقين) شُكلت خطورتهم تشكيلا في منصات الواقع الافتراضي وشبكات التواصل، في الوقت الذي أُفرغت له ساحات الواقع المحسوس ليمارس خططه العملية كما شاء، ففراغ الساحة نابعٌ من اصطفاف الطرف الآخر خلف شاشات وهمية صُورت على أنها ثغرة من ثغور المسلمين والتي يجب على الجميع سدها، مع أن الحقيقة في أقوى حالات صدقها وأشد لحظات صفائها تكتفي ببضعة أشخاص يقومون بذلك السد في حين ينصرف البقية يزاولون واجباتهم واقعا.
في صناعة العدو الوهمي هناك طرف غربي يريد بناء مسالكَ لمرور تجارته وتأمين بيعِ أسلحته وتسريبِ هزيل ثقافته، وممالكَ لبناء قواعده وتأصيل فكر سيطرته وترسيخ متين تطاوله، وطرفٌ عربي يعلم أكثر من غيره أن ذلك التاج المتلألئ الذي يعتلي رأسه مهددٌ بالسقوط بعد أن مال به طول المكوث، وبالخفوتِ بعد أن سكن عنه البريق إن لم يخلق عدوا تنشغل به الدهماء عن تبَينِ ذلك الميل واستيضاح ذلك الخفوت. أضف إلى هذا أن الرجل النبيه أكثر حرصا على حقه وماله ونفسه ودينه من الآخر المشغول بدفع عدوٍ ضبابي. منذ عقود ونحن لا نستطيع تخيل شرق أوسطٍ خالٍ من منظمة إرهابية دولية أو محلية، وربما ولمدة عقود قادمة لن نستطيع تخيل حدودٍ آمنة وادعة،  فالواقع المريض يفرض علينا ضرورة وجود ذلك الموت القائم على أبوابنا في جنح الليل لا يُرى منه إلا شبحا شاخصا يتحرك في ذلك الظلام.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك