تبسُم الكلمة مع صاحب كرشِ مستسلمة .




قيل أن كل ذي كرشٍ، يكون ذا عقلٍ.
من المبدأ الذي يقول الجسم السليم وعاءٌ  للعقل السليم .
فسأضرب المثل من غير اعتداء، وأطلب الصفحَ على الأخطاء، فأنتم أصحابي من أهل الذكاء، وأهل المشورة والدهاء، فاقبلوها مني رغم الخَواء، وبلا غيظ وحقد وهذا رجاء.
فهناك من بني جلدتي هوامٌ تسير، تأكلُ اللحم والثريد، بالبلع والزريط.
كفه المخراش، لا خوف ولا ارتعاش، يلتقم اللقمة مرميًا على الفراش، غالقًا سمعه مبتعدا عن الفهمِ والنقاش، ومن الفراش يُنقلُ إلى غرفة الإنعاش، فلا يُسأل أميتٌ هو أم عاش.
المعدةُ خلاط، تُتقنُ الشبك والاختلاط، وهرسَ كل ما على السماط، مهما بلغت الأصناف والأنماط، فلا  يصيبها المللُ ولا الإحباط، بل من نشاطٍ إلى نشاط. ولو دخلها ما بين طنجةَ والرباط ، ما زادها إلا من الشحمِ أمشاط.
ولا تسأل في الفمِ ماذا صار؟ فقد توقف العقل واحتار ، فنادى يا رب يا ستار، وأسدل من العجبِ الأستار، ففي القطعِ كأنهُ الصارمُ البتارِ، وفي التقليب كأنه مكينة عطار، فترى الداخلَ من اللحمِ والثمار، يصيبُه الخرابُ والدمار، فلا يقوى إلا أن ينهار، أمام صاحب القوةِ الجبار، وبعد أن كان حقيقة أصبح تذكار، ولا فرق عنده بين باردٍ أو حار، أو حامض  أو به رشةَ بُهار، فالكل بين فكيه في حصار، ومن ضرر إلى ضرار، ولا مهرب من هذه الضروسِ والأسوار، إلا لكرش ٍ وأمعاء، كأنها أكبر وعاء، أو دلوٍ من ضِمن الدلاء ، لا تعرف الشبع والاستغناء ، ولا التعب والإعياء ، أو الخجل والحياء، فلها من القرقرة أصداء، وبالليل تطلق الثُغاء، فصاحبها مسكين في عناء، فقد أصابه البُعد والجفاء، ومله الأعداءُ والحلفاء، وكرهَ انبعاثَه الأصدقاء، وليس معه من بنات حواء، لا حمراء ولا صفراء، فقد تكوَّر كالخنفساء ، فداءه من غير دواء، فكم أعياء من الطب والأطباء ، فهو يلتهم الغداء في انتظار العشاء.

فيا أهل المشورة والدهاء ، هل هو من معشر السعداء أم أخٌ لأبناء التعساء ؟



زواج بالصدفة .



طريدا ذليلا يجر رجليه الحافيتين فوق لهيب رمال الصحراء، راعياً في إحدى القبائل الصحراوية ولم يدر في خلده وعقله في حينها أكثر مما يدور في هوى من تغنَّم غنما وتأبَّل إبلا و الاهتمام بها لتأمين لقمة عيشه من ألبانها ولحومها. ينام ملتحفا السماء من دون أن يقلب ناظريه في نجومها فلا شيء يشغل تفكيره البته.
غادر بعد فترة وجيزة من تلك الصحراء بعدما استغنى أصحاب القبيلة عن خدماته. سارت به قدماه حتى وصل سور قرية صغيرة لا يعرف عنها شيئا فأجبره الجوع والعطش والبرد على الولوج ليلوذ بأهلها لعله يجد لقمة عيشٍ أو شربة ماء.
وكان في  الطرف الآخر من القرية رجلاً أعجمياً في عينيه زُرقه وفي وجهه حمره ،  كبير الرأس، عريض المنكبين ، من ملامحه كأنه من بلاد لا تغرب شمسُها. تُحبه النساء الصغيرات وتُفتن بنات البدوي بماله وسطوته وحسن معشره وبلاغة لسانه. وكان يَعشق فيمن يَعشق فتاة تسمى ( صباح) تملك حانة صغيرة في مكانٍ قصي مظلم من أطراف القرية .
تلاقيا – البدوي و الأعجمي – في حانة ( صباح ) وأعجب كل منهما بالآخر فتسامرا طويلا وتحدث كل منهما عن نفسه, ومن شدة ما وقع بينهما من تآلف ومودة وولاء عرض الأعجمي على العربي الزواج من فتاةٍ عربية يعرفها ويعرف حالها، متكفلا بكل شيء من أمورِ الزواج، واصفا له هذه الفتاة بأنها فتاة منزويةً على حالها ، لا أحد يعلمُ عنها شيئاً فقد عاشت في بلدٍ نائيٍ عن أعينِ البشر. وسبب عزوف الرجال عنها كان بسبب ملامحها البشعة  في أعينِ الكثيرِ من المهتمين بأمور الجمال والوسامة وطيب المعشر، فهي دميمة المظهر قبيحة السلوك. ذاكرا له أنه قد تقدم هو لخطبتها ولكنه كان يخاف العواقب ففي طبعه خوف المجازفة وكُره المغامرة. فعدل عن خطبتها لنفسه على أن يساعد في خطبتها من رجلٍ هو يختاره.
فتح البدوي فاه مستغربا، وحرك رأسه موافقا، فكل هذه العيوب لا يراها عيوبا وكفى بها أن تكون أنثى فقط ومدفوعة المهر أيضا فقد أمده عريض المنكبين بالمال والعتاد والرجال الذين يسيرون معه كنوعٍ من الوجاهة والرفعة.
تقدم لخطبتها فرفضته وهي قانعه, فجر أذيال الخيبة راجعاً باكيا لصديقه الأعجمي. فرسما الخطة وقررا أخذها عُنوه.
وفي ليلة متسربلةً بالكُحل كانت الفتاة نائمةً مطمئنة فهجم عليها وشرع في البيت هتكا واستبدادا وفي الأهل قتلا واستحلالا. ثم تزوجها غصبا وقهرا وظلماً بغير شرع ولا ذمة بحضور الأعجمي الذي كان هو الشاهد والولي وكاتب العقد ودافع المهر.
لم تحبه ولم تهنأ بعيش معه ولكنها كانت تملك من الصبر والوفاء ما تنوء منه الجبال فقد كان مثالا للكذب والخداع وحب النفس والكبر والغرور.
وزد على هذا كله حبه لرغباته فقط فهو دنيويٌ لا أُخروي، و أرضي ترابي لا سماوي نوراني.
تَهَنَّأ بها حد الشبع ،وتجمَّل منها وجَمع،  وتشرَّف بنسبها وسَطع.
 افتتحها عنوة. وولدت له أولادا فاسقين وقليل منهم الصالحون. وفي الحال يتم وأدَ من صلُح أو سجنه والربت على رأس من فسد وحِفظه. ففي قلبِه خوفٌ من صلاح أبنائه فصلاحهم يقظ مضجعه ويهدد بقاء أمهم معه، فصلاحهم برٌ بها، والبرُ بها نجاتُها من ظلمه .
ومع طول العمر وسير الأيام ورثَت الفتاة المالُ الكثير، وأصبحت من أصحاب الدراهم والدنانير. فتبدل حالها، وأورقت أشجارها، وفاح عطرها، وسطع نجمها، وانتشر اسمها وصيتها .
فزاد ظلمه لها، وطمع فيما أبدته من ورثها وحقها، فاغتصبه لنفسه كما اغتصبها من قبله. فكانت تخبئ منه ما تستطيع أن تخبأه . ولكنه كان يصل إلى كلِ ما معها وإن لم يستطع بنفسه فبمعاونة صديقه الأعجمي الذي قويت روابط الصداقة بينهما من بعد ما ورثت ما ورثت.
ومن سوء ذوقه وفساد سريرته يغتصب منها مجوهراتها وحليها وقلائدها ثم يهديه لبنات الهوى وصاحبات الخَنى اللاتي يلتقي بهن في كل ليلة من لياليه. فعشيقاته كثر،  ومن أجل أن يقوى على مصاريفهن فلا مجال له إلا بالسرقة فتمادى فيها وأوغل في تدنيس يديه، وفي وضح النهار أيضاً فلا خوف من الجليل ولا تقى من العظيم.
ثم علَّم أبناءه من حوله كيف هي حياته وسيرته الاستبدادية، فساروا على نهجه وسلكوا أثره. فهذا يغظ الطرف عن الآخر في الفساد لكي يغظ الطرف هو عنه أيضا .
ظلم و نتانة وخلاعة وفسق وفجور كانت حياته وأبناءه .
وغلبَ الفسادُ في البيت، وصار الفاسد منهم في عيونهم مصلحا والمصلح فاسدا، انقسم البيت على نفسه، وعمت الطبقية والحزبية على أساس الفُحشِ والغِناء.
ومع غلبةِ ما هم عليه من فساد وانتكاس في الفطرة . ضاق الأبناء الصالحون الذين نجوا من المعتقلات والسجون والتعذيب ذرعاً وسئموا حياة الظُلم والظُلمة. ولكن ليس باليد حيلة ولا يوجد للنجاة أية وسيلة.
ألفوا حياة الخنوع والسكوت، بل حتى خيانات أبيهم لأمهم أصبحت من ضمن المشاهد التي اعتادوا رؤيتها والتعايش معها. فلم يعد المنظر يهزهم والمرأى يزعزهم. فالأمر أصبح سيان.
فعادوا للتشكي والتألم والعويل والنواح.
وقبل أيام أتاهم الناصح ينصحهم بأن يطالبون هذا الأب الظالم إما بالحفاظ على أمهم والرعاية بها وبهم أو أنه يسارع إلى طلاقها والهروع إلى أحضان مومساته وعشيقاته.
ولكن يا ترى هل يستمعون النصح أم يبقوا على برهم لأبيهم رغم قسوته..

كالبحر أنتِ.





كالبحر أنتِ
بسِعته الواسعة وسِحره الساحر وعُمقه السحيق وغِناهُ الفاحشِ من اللؤلؤ وثرواته التي تحسدهُ عليها الجبالُ والأودية والهضاب والسهول.
هو الساحر سحرَ حقيقةٍ لا سحر توهمٍ وخيال وخداع للعين.
الساحر بلونه العجيب وهدوءه المُهيب.
الساحر بوشوشة صوته وعذب همسه.
كمثلُكِ أنتِ.
خلابٌ جذابٌ أخاذٌ فاتنٌ رائع. ففي لحظة قُربي من شاطئه وبمحاذاة مائه تتلبسني الراحة وتسترني السكينة فأنظر إليه مستأذنا ملامستهُ بكفي لأقبض منه قبضةً تذرف قطراتها من بين أصابعي كما تذرف دمعتي غِبطةً عند رؤية محياك.
زُرقته لون عينيك. وأُفُقه سِعة عينيك. وطعمه دمعُ عينيك.
كالبحر أنتِ
عند هبوط ليالي البعاد والفراق،،وإصابتك بما يسمى السهاد،، فوجهك هو البحر عندما يعانق الشفق عند الغروب لتتقلب من روعته العيون والقلوب.
وفي مده وجزره، قُربك وبُعدك ، فبداية الجزر هو إيذانٌ بمدٍ شديدُ القوى، عَرف الحقَ فما غوى.
كالبحر أنتِ
ساحله جذاب ووسطه فتان وجوفُه الجوهر ومِيتته حلال.

لم أرى عناق موجه لصخره إلا كعناقٍ يطفيء جوى عاشقَين قتلَتْهُما الفُرقة وأحيتهُما الضمة.

وقبل المساء تتدغدغُ المشاعر بنسيمه وتلتهب العواطف لجلاء نجومِ سمائه وتشتعل الأحاسيس فلا لغة إلا للحب ولا شيء غير الحب.

في سكونه همسةٌ تتوسط الصمت والنغمة.
وفي حركتهِ قُبْلة تخطف القلب قبل الشفاه.
وفي موجه غَيْرَة تمنع النسيم من إثارة خصلةِ شعر.

كالبحر أنتِ وأكثر
القمر وهو مثال الحب والنقاء، وصورة الجمال والوفاء، ومبعد الهم و الشقاء، يترقب بلهفة  أن يغيب، ليعانق أمواجا تتكسر صورته عليها فتغدو الصورة أبهى وأجمل من الأصل نفسه.

وكما مَنح صورة القمرِ الكمال، فللشروقِ منه نفحة جمال.
يُرسمُ الإبداعُ في منظر ثلاثي المعطيات، بزوغ شمسٍ و تكسر موجٍ مع إحمرارُ سحاب.
يسرق الألباب ويخطف الأبصار ويسلب القلب مع الفؤاد.

وهنا يبقى السؤال قائما، والجواب حائرا،  أأنت أخذتِ من البحرِ صفاته أم هو أخذ منك أوصافك؟


اصطفاف










استيقظ ليجد نفسه مرمياً في برميلٍ أصفر مصنوع من البلاستيك نتن الرائحة تغمره السوائل والقاذورات بجانبه تفاحة فاسدة وقلم ودفتر .
أرخى رأسه المتعب مع زفرة خرجت من صدره محاولاً استيعاب ما حدث قبل لحظات.

 أين كان... وأين أصبح...
تلمس جسده ..  تحسس بدنه..

لقد فقدتُ كل شيءٍ . . . قالها ودمع قلبه ينزفُ قبل دمع عينيه.

 كان حروفا متناثرةً في عقل كاتبٍ حذقُ الصنعة ،متقنٌ لها، مهووسٌ بالإبداع ،مواظبٌ على العبقريه. ثم وبكل أناقةٍ انسكب حرفا حرفا، على ورقٍ فاخرٍ ليبني قصراً من الكلمات ِالسهلةِ المنقادةِ الممتعةِ الباذخة.
خُلقَ واكتملَ على أتم خِلقه. تأزَّرَ بالإبداعِ، وتسربلَ بالجمالِ، وارتدى عباءة الفائدةِ والفضلِ والعموم .

كان يرى ما يملأ العينَ حسناً والنفسَ بهجةً.

برزَ من مكان نشأته مزهوا بنفسه. رافعا أنفه... يمشي مشية الخيلاء وقد ضم بين جنبيه الزاخرِ من اللؤلؤِ والياقوتِ.
وقبل يوم التمائمِ وُزِعت دعوات الاحتفال. وحضر المثقفون من كل حدب وصوب.
ولم يكدر صفوه في ليلته تلك إلا صريرُ قلمِ ذلك المبدع على صفحته الأولى قبل أن يصبح مِلكاً لأحد المدعوين.
وُضِع على رفٍ في غرفة للضيوف وبجانبه بعض بني جنسه وقد لفتت نظرُه تلك الكآبةُ الباديةُ على محياهم، والعمرُ الكبيرُ الذي وصلَ إليه أغلبهم ، بادر كبيرهم بالسؤال :
- لمَ أنتم هكذا؟
- هذا عملنا.
- عملكم إبداء الكدر والكآبة!!!
- لا، بل (الاصطفاف).
لم يتعبْ نفسُه في فهم ما يقولُه هذا العجوز.
نظرَ إلى هيأتِه وتفحص مكنوناته ودرره فوجد الخيمةَ والخباء...الأطناب والأعواد...الإبل والشاء...المساجلة والمنافرة...الحب والغرام...العفة والوفاء...الحداء والغناء...الصبر والبلاء...أسواق الشعراء...مواقف الخطباء...كلام الحكماء...الشتاء والمصيف...الصحراء والريف.

فعندها تيقن أن مستقبلَه مُشرق مُبرق، ومنارته تنير للقاصي قبل الداني.

استيقظ صباحَ أول يومٍ له على يدٍ أنثويةٍ خشنة غليظة تحمِلُه مع وسطه. وتُقلبُه ذات اليمين وذات الشمال.

نظَّفَتُه بخِرقةٍ بيضاء من غبارٍ اعتراهُ في ليلتِه الماضية ثم أعادتُه وولت عائدةً لمطبخها ،، لبصلها وقثائها.

جاءه صبيٌ صغير وأخذه من مخدعه .. كان مستغرباً أن يهتم به مثل هذا الصبي .

وضعه على الطاولةِ ...

وضع فوقه ورقة يرسم عليها. ولم يفتحه.

أشكلَ عليه فهم الحال، ولكنه فضل الانتظار على السؤال.
مرت الليالي و الأيام،

أضحت حياته ملل وضجرٌ وضنك وضيقة.
جلس مع نفسه وحيدا..واستحضر ساعة صفاءٍ واستعان بنظرة جلاءٍ.
استاء، وانتفض، حنق ثم غضب .. صعد الدم إلى قمة رأسه.
ألتفت حوله بعينٍ حمراءٌ لونُها
أحس سكان الرف العلوي بأن هناك زلزالٌ قادم.
صوَّت وصاح

زأر وزمجر
يا قوم

ما هذه الحياة التي رضيتموها ؟
اصطفاف فقط !!!
اصطفاف بالنهار واصطفاف بالليل !!!!
إن الأرضة عاثت فسادا بداخل أحشائي.

واحر قلبي على هذا الحال ,,,, الذي اضحى العيش فيه من المحال.

يرد العجوز...

-         انظر هناك ..

-         أين؟

-         جهة باب غرفة الضيوف....هناك
يدخل بعض البشر لصالة البشر ..
ضحكٌ ودخانُ سجائر وقواريرُ خمرٍ.
يقتربون ... ويلقون نظرة على مكتبة محشوة بمئات الكتب النظيفة من الغبار.
دنا احدهم أكثر
... جثا على ركبتيه
مرر أصبعه على ( حقائق الحق ) وجيرانه.
وجهه لم يوحِ حتى بالإعجاب.
انتصب وصعد بنظره للرف العلوي أخذ ( أوهام الهوام )...داعبه بيده...

وأُعجب بالصور.
سقطت سيجارة من المثقف الثمل.
شبت النيران.
احترق البيت.
احترق الرف.
احترق الكتاب.
انتهت حياته في برميل أصفر من البلاستيك نتن الرائحة تغمره السوائل والقاذورات.... بجانبه تفاحة فاسدة وقلم ودفتر.
تمت ..
 
 

خوف المستقبل.


 

قال لي: إن عمره مقسوم إلى قسمين : قسم يبدأ من لحظة مولده قبل خمس وثلاثين سنة وحتى قبل سنتين من الآن. والقسم الاخر يبدأ من قبل سنتين حتى اللحظة. والعجيب أنه لم ينتبه لهذا التقسيم الحقيقي إلا في هذه المرحلة من حياته مما دعاه لأن يصرح لي بهذا الكلام، وكأنه يرى نهايته أو نهاية خطٍ رسمه لنفسه وسار عليه فترة من الزمن وهو الذي كان متوقعا نهاية مغايرة لنهاية الطريق التي رآها الان.

للتو لاحظ أن نقطة التحول التي مر بها ولم يشعر، وكأنه كان يسير أثناء المرور بها في نفقٍ مظلمٍ أقحمَ نفسَه بدخوله من دون أن يتزودَ بالإضاءة اللازمة، تلك النقطة هي التي جعلت الجزء عنده جزأين ، والعمر عمرين .. ولكن إنزاله للسنتين في كِفة وباقي العمر في كِفة هذا يدل على شيء لم أعلمه حتى اللحظة منه.

مِن أن تنظر لعينيه حتى تعرف أن بها سرٌ لن تستطيع أن تفكه أو تحله, فكل من رآها قال إن بها الكثير من الحزن والوفير من الأسى. فبالرغم من ابتسامته الدائمة وضحكاته العالية إلا أنها خدعت وغررت بالألوف. وهو يحترف تزييف مشاعره حفاظا على مشاعر الاخر.

عاش فترة مع زهرةٍ  حتى شاكته بشوكها فعاف الأزهار وقاطع  الحدائق والجنان وجانب كل فردوس وروض. ثم عاد وبكل شدة وبأس ليقطف كل زهرة استطاع أن ينال منها ليسلبها رحيقها من دون أن يدوس برجله عليها، فقط أذاقهن مما ذاق.

كان يستمتع بمذاق الدمع المر الذي يُذَكره بألمِ الشوكة، حتى إنه قال ذات مرة وهل هناك مذاقُ حلوٌ يضاهي حلاوة مذاق الدمع المر.

ومع استمتاعه بحلاوته تلك أتى الزمن ليأخذ منه إحدى عينيه فتنازل عنها مغصوبا على أمره. ولم يملك إلا أن أعطاه ما يريد بداخل إحدى المقابر.

وهنا وبعد أن كانت معركته ضد الأزهار فقط ، اصبحت ضد الأزهار وضد نفسه. واستمرت المعركة وفي كلا الاتجاهين، وبقيَ مع هذا ضاحكا مبتسما مفتخرا بنفسه. كيف لا وهو الذي ينتقم لنفسه بإيذائه نفسه.

وبعد أن عاش حياة الجندي المحارب، ولحظات الضد والتضارب. وحياة الكر والفر. فإذ به يوقع اتفاقية للصلح ومعاهدة لوضع السلاح .

أضحى يستوحش الهدوء الذي يرى, والسكون الذي سرى. فهي ليست نقطة جديدة بل هي ذات النقطة المشؤومة وذات النفق المظلم، ولكنه لا يريد الولوج هذه المرة حتى وإن تسربل بالعدة والعتاد الذي سينير له الطريق.


 

كاتب مثقف أديب (عصري)





من مبلغُ كُتابَ الصحف أنهم يهذون بما لا يفقهون وأنهم في كل واد يهيمون وفي كل دَرْكٍ يتخبطون. تصفحت صحفَهم وقلبتُ جرائدَهم وتعمقتَ في أعمدتِهم فلم أجد إلا عُجمةً في اللسان وعاميةً في الإسلوب ونفسي اشتاقت لحرفٍ عربي ولو كان أعزب.
تمنيتُ أن أمتلك ذلك القلم العريض الذي يستخدم في الصفحة الأولى لكتابة العناوين الرئيسية لأكتب ( توقفوا، من فضلكم ) فقد أفسدتم ذائقتنا وأدخلتم علينا ما ليس منا وأعميتم عربيتنا بأعجميتكم.
يسِمُ زاويته بوسمٍ رنان ثم يفرِشها بالغث الرديء الدنيء السافل النتن الغريب، فكلماتها غريبة وأسلوبها عقيمٌ ملتويٌ على الفهم، يستطيع ابن العاشرةِ أن يقولَ أجود مما قال فارشُها. فهو لم يقم بأكثر من صفِ كلماتٍ نكرةٍ بجانبِ بعضها البعض، فكيفما بزغت أمامه وضعها .. ومثلما نطقها طبعها.. ذوقه فاسد، وخياله شحيح. يسرح بنا في أرض قحلٍ مُقْشَعِرة.
أيا كاتب: البيان ليس رغيف خبز تشتريه. بل نَطْقٌ ليس كما النَطْق فهو منطوق بالقلب قبل اللسان مكتوبٌ بحركةٍ تبزغ من داخل النفس بلا تكلف ولا تعمُّل مثلما يصدر الصدى عن الصوت والشعاع عن الشمس. فالاضطلاع بأساليب العرب شيء جميل ومحبب للنفس، والزيادة في المحفوظ من اللغة هو زيادة في طول اليد لتناول ما تريده النفس من معاني.
ومن المحزن المبكي أن دأبكم واحد، ومسلككم بات معلوم، وحرفكم أضحى مكرر. لأن من ولج من هذا الباب وغاص أعماق الصحافة، وامتلك عمودا فيها فهو يعلن بهذا تنازله عن هواه وفكره. فهو مع تيار الصحيفة شاء أم أبى، متماشيا مع فكر أصحابها وسياسة مُلاكها. فإن أرادوه معارضا نصَّبوه، وإن أرادوه مادحا أخبروه.
حسنا لا ضير:
 تيارٌ أو حزبٌ ويريد أن تشم حنجرته الهواء وترى النور كلماتُه وصوتُه وهذا من حقه، إذن فاختر الطريق الأجود وترفع عن الوحل والطين. فبهذا قد تبلغ ما هو أبعدُ من الهدفِ المرجو.
أقرِئْني عملا من أعمال الذوق المنثور الذي ما إن يلامس أذني حتى أشعرَ بك بجانبي تُحدثني وتُفضي إلي ما في نفسِك. لا تقل ماذا أكتب اليوم؟ فتهرب منك الأفكار ويحل محلها السباب والشتام وكيف أُرضي هذا وأُسخط هذا.
انزعْ عن المجتمعِ طبقة الغبار الذي تراكم مع السنين والأيام. وأره خيالاً يُهَيجُ وُجْدَه ويُطربُ سمعه على فطرته وسجيته. فتجد في نفوسهم أثرا مما كتبت. ولست أتحدث هنا وأنا معتليا منبر السؤدد أو رقيب الله على خلقِه، فكلنا خطاء وأنا أكثرهم مع كثرةِ حرصي. ولكن زلتي لن تُقَوَم وأنا أرى شخصا لُقب بالمثقفِ المفكر الأديب الكاتب الصحفي اللغوي مالك الحرف وأمير البيان وهو يكتب ( كان خالداً مريضٌ، فأكل محمداً سفرجلٌ).

رسائلٌ لا تحتاج لساعي بريد.







قلت:
في الحرب رجالٌ يقاتلون رجالاً من أجل رجال, وأنا من أجلك حملتُ في يدي عشرين سيفا مقسمةً في كل إصبعٍ اثنين. أُجندل فيها الخصوم حتى لا يُرى إلا رؤوساً تتطاير وأشلاءً تتمزق. فالحرب لا معنى لها إن لم تكن من أجل النساء، ومن أجل الحب وأنت هي سيدة النساء وملكة الحب.
*************
قالت:
المرأة مرأة حتى تجد عاشقها وتهوى هواه وتُغرم بغرامه، فتطير بين الأكوان ناثرةً عَبَقَ الحب والحنان. محملةً بورد الهدى والسلام. وترسمُ لوحة الخلود بريشة العاشق الفنان . فأضحى للزمان وجودا، وللمكان وجودا، وللحياة أيضاً وجودا.
****************
قلت:
عندما يزورُني طيفُك الفتان متسللاً من بين النوافذِ والأبواب مع أضواءِ الصبح المشرق الزاهي فإن النفس تسكن، ولوعة الأسى والحرمان تخمد، والحزن يهدأ ويفترْ، وتفِرُ الهمومُ وتهربُ الآلام على موجةٍ من أمواج الزمان لتحط رحالها على سواحل النسيان  فالصبح الذهبي لا يرتدي لباساً من النحاس الرديء.
*********
قالت:
العشق رغبة فطرية ونزعة بشرية ولكنه في جوارك وحماك سموٌ للروح يغادر بها للأعالي ويصعد في درجات السماء.
العشق منك لذة ملائكية وحياة أبدية.
وما العشق لغيرك إلا قتلٌ للروح ووأدٌ للفرحة وإهلاكٌ للحياة .
***********
قلت:
ألحان جمالك الفتان ، تُطرب وتُرقص . هادئة ناعمة . تُنعش الفؤاد وللجرح كما الضماد وتجعل الأيام أعياد.
أنتِ الحنان والحُنو والعطف والرقة والروح والراحة والفرح .
يا حرَّ قلبي منكِ إن هجرتِني فأنتِ عندها بلا رحمة وإن تركتِني فأنت بلا رأفة.
**********
قالت:
قصة حبنا قصة حبٍ لا يقرأها الحبُ حتى يشتاق للحبِ.
الحرف مني يحضن الحرف منك واللفظ منك يعانق اللفظ مني، ولا يراها إلا قلب عاشق وقلب عاشقة استعبدهما الهوى وكلِفَ كِلاهما بالآخر أعظم الكَلَفْ.
فكلمة الحب لن تجد لها مخبأً إلا خلف شفاهك وبين ثناياك فمبسمك يمتنع إلا أن ينطق بكلمة تليق بذلك المبسم.
************
قلت:
أرى الحياة من دونكِ دون ما تعنيه، فليس بها من الجمالِ إلا ما تجودين بهِ عليها.
وأكثرُ من هذا،، فأنتِ فلم تزينيها فقط.
ولم تجمليها فقط.
ولم تغمريها وتزيديها بهاءً وحسناً فقط.
بل أنشأتِها إنشاءً.
تُلبسين المغتربَ لباساً ينسيه حنين وطنه.
وتسقين الطفل حلوا يُذهلُه عن حليبِ أمه.
فسحرك يكمنُ في ثغرٍ خالٍ من العيوب وفي جمال الابتسامة وفي رائحة القرفة والزعفران المنبعثة.
ضاحكة لعوب .دلال ودلع وغُناجٌ لا يتجنبه أريبٌ ولا يكابر عليه حادُ فؤادٍ.
*********
قالت:
حبيبي..مهجة قلبي وفؤادي.
 أنت خلودي الذي لا يفنى ولا ينتهي.
أعاهدك بكل الألم الذي نهيتَه عن وصالي.
أعاهدك بكل الشقاء الذي منعتَه عن قربي.
لكل بؤسٍ وضيقٍ وشدةٍ أبعدتها عني .
سآخذك معي وحدي لما وراء الطبيعة وإلى ما وراء الحياة.
لأعيش معك روحانية الحب وقدسية الأرواح.
فقربُك مِنحة وبُعدك ضرر.
وقلبِي أَحبك وما كذب .
***********


رفقا بالرجال*




شبابنا، رجالنا.

هل فيكم فِلقة شهامة؟

أو شطر فحولة؟

وكأني بكم أحببتم الدعة والطفولة.

أين النواصي المعقودة والآمال المأمولة؟

أين دماء الرجولة؟

هل خالطها ماء آسن؟

فحُلِل  للأرض ابتلاعها.

لماذا الخنوع والذل والهوان؟

تركتم الذروة واخترتم القاع.

في ظل مجتمعٍ نسائي ظالم مستبد مُظلم قاتم.

سَلْب حقوقاً وأهان كرامة.

قهرٌ انثوي يمارس ضدكم.

قمعٌ ظاهره الدلال وباطنه حقدٌ دفين .

إذلالٌ منهن يوازيه رضى منكم.

هو الخوف الجاثم على قلوبهن خشية نجاحكم.

الأنثى اعتادت النجاح.

وألفة السيادة.

وتمسكت بالسلطة

واستحوذت على المال والجاه منذ الأزل.

وعندما حميت دماؤكم ودبت فيكم حياة الأنفة من جديد

وكنتم أضواء تدفع الظلام للمطالبة بحق مسلوبٍ وكرامةٍ ضائعة.

مارست هذه الأنثى عبر الأزمان والقرون سُلطة قمعها لتربضوا في مرابضكم.

هونا وذلا وخضوعا.

جَيرتْ كل قوانين الطبيعة ضدكم أيها الضعفاء

تتحكمُ بمجرى السيل فيسقط كشلال هادرٍ على رؤوسكم.

تعاضدن وسيرن الدنيا كما يشأن لمصالحهن وشهواتهن.

أما أنتم.

فأُختزلتم في شهوة.

وحُوصرتم في نشوة.

وأٌكممتم برشوة .

عملكم، الحفاظ على بقاء جنسهن.

تُهينكم صباحاً. لتركب فوقكم مساءً.

وأنتم حاملو رؤوسٍ بداخلها حفنة تراب.

تَسحر لبكم بطراوة نهديها، وتُسكر عقولكم برضاب ثغرها.

وتهد قوتكم بإمتصاص مُصاصَتِكم.

أجيبوا ( لا عافاكم الله )

 هل لكم أن تذهبوا للقضاء لأخذ حق- قد سُلب منكم بقوة القضاء نفسه- بل وكيف ستقابل القاضية لوحدك من غير محرم.

أخبرني يا رجل:

هل تستطيع أن تأخذ حقك في التعليم وسط مناهج لاهم لها إلا الحيض والحمل ومواعيد الدورة الشهرية، وماذا عليهن أن يفعلن في تلك الأوضاع وتلك المواقيت! وقد تناسوا عن عمد تعليمك وما يجب عليك القيام به، فيعتذرن بأن الفطرة كفيلة بالتعليم والتدريب، مع أنك أنت صاحب الفضل عليهن ولكنه جبروت المرأة وطغيانها المستبد .

هم نسوة حرموك أبسط حقوقك يا مسكين .

حتى الحب . ليس لك أن تحب إلا  بإذن .ولا تكره إلا بإذن.

أما هن فالدنيا ملكهن، فيحببن ما يشأن، ويتزوجن ما يشأن، ويحتضن ما يشأن

وأنت الحب في شرعك محرم محظور.

هل تناسيت ماذا فُعل بك عندما ذهبت للمستشفى فلم تجد إلا طبيبة تنتظرك. وعندما طلبت طبيبا ذكرا طُردت من غير علاج . فهن يردن أن ترى منك المرأة ما لا يحق لها أن تَرى .

كم من صرخة سمعناها ولم نسمع صداها.

بعد أن قُطع لسان ناطقها.

الصحف ملأى بأخبار الأحرار من الرجال الذين دفعوا حياتهم ثمنا للحرية .

هؤلاء هم الأحرار أما القابعون وراء خدورهم اللاهثون لخدمة الأنثى بإسم العادات والقوامة فهم عبيدٌ عبيدٌ.






* الدنيا دواره.