الفيس ويتر .









مع بداية سأم الليل ورحيله جارا أذيال هزيمته أمام سناء الفجر وشفق الصبح، ومع خروج بواكير العصافير وجفاف ندى الأوراق، كانت هناك سفينة فضائية عملاقة زرقاء اللون غريبة الشكل عظيمة المظهر، تقترب لتهبط على كوكب السنافر.


سفينة سدت الأفق وحجبت الشمس التي مازالت تصارع بأكتافها بقايا فلول الليل، أثارت النقع وهبطت.


أضحت هي السماء ، وأصبح الكوكب والسفينة كالبرتقالة وقشرتها، إحاطة من جميع الاتجاهات ، لا مفر ولا منجأ ولا ملجأ إلا لله .


رُفعت الرؤوس حتى اختفت الرقاب، وفغرت الأفواه فبانت اللِهاء، وفُتحت الأجفان واتسعت الأحداق.


طُيت أبواب السفينة كما يطوى السجل من الكتب إيذانا لولوج من يريد، وأُشهرت لوحة كتب عليها (الدخول بالمجان).


حسناً، قالها ثلاثة سنافر مستأذنين أباهم العجوز فتردد (بابا سنفور) قليلا ولكنه كان يعرف هؤلاء المشاغبين فإن رفض فسيذهبون تحت عتمة الليل، فقال في نفسه: بيدي لا بيد عمرو، ثم صاح فيهم حسناً انطلقوا ولكن احذروا (شًرشبيل) المجرم وقطه (هرهور) ولم يدر في خلده أن السفينة ما هي إلا شًرشبيل وقطه .


تقافز الثلاثة مهرولين نحو السلم الكهربائي وحانت منهم لفتة وداعية مع تلويح بالأصابع نحو (بابا سنفور) الذي بدا وكأنه يصغر رويدا رويدا كلما اقتربوا من باب السفينة .


وقف الثلاثة على الباب المشرع والذي كتب أعلاه على لوحة بيضاء بأنوار صغيرة زرقاء ( فيس ويتر ) وتحتها بالأحرف لاتينية (facewitter).


تقدموا خطوة صغيرة ليستكشفوا السفينة فإذا هي ممرات كثيرة متشعبة ودهاليز تشابه دهاليز بيوت النمل وحجرات وقاعات يمنة ويسرة و سنافر مزدحمين متراصين. بالإضافة إلى مقاعد قليله في بعض الممرات.


أخذ (سنفور ذكي) بأيدي أخويه (سنفور كسلان) و (سنفور صايع)، وفي معمعة السنافر وسنفرتهم المعهودة تفرق الإخوة وتاه الجميع. فقرر كل واحد منهم السنفرة لوحده وبعيدا عن الآخر حتى تجمعهم الصدفة وتضمهم الدهاليز والوصول إلى النهاية التي لا تبدو أبدا واضحة المسالك.


(سنفور كسلان) يداه في جيب سرواله الجينز الذي يربطه من فوق أكتافه بخيطين من المطاط العريض مع قميصه الأزرق المقلم بخطوط حمراء طويلة، وكعادته مطأطأ الرأس، لا شيء يثير سنفرته الكسولة، فالحجرات الملونة مملة له والممرات ذات الرائحة الزكية لا تعني له شيئاً، اكتفى بقليل من النظرات السريعة من خلال بعض أبواب الحجرات لاكتشاف ما بداخلها وهو مقطبا جبينه، غضبانَ أسِفا.


(مالِ هذه الحجرات الخاوية إلا من المقاعد) رددها وهو يطل برأسه، وانظر إلى تلك الأخرى لا يوجد بها إلا مدير القاعة وحيدا يتحدث مع نفسه ، يبدو أنه يتحدث عن أمر لا يهم أحدا من هذه السنافر الغبية, يتنقل بنظره بين المارة فيرى سنفورةً فيزيح بنظره ويزدريها فما من شيء يستحق الابتسامة، وذاك( سنفور حزين) يبكي فيصفه بالتخلف والغباء فما من شيء يستحق الدموع.


لاشيء يعجب هذا السنفور، حتى المقعد الذي قرر الجلوس عليه لينتظر أخواه لم يبدُ له مريحا، فهو يعلم أنه لم يأتِ إلى هنا إلا من أجل تقليد أخواه لا أكثر من ذلك ولا أقل.


في هذه الأثناء كان أخوه (سنفور صايع ) يُسنفر مع كؤوس الخمر في قاعة اللهو والمسكرات ولا يسمع شيئا من مكبرات الصوت الضخمة التي تصم الآذان سوى          ( طُفف، طُفف، طُفف....) ومع كل ( طفطفة ) تتمايل رقبة الصايع .


سنْفَّرَت به كؤوس الخمرِ فقفز على الطاولة وسَنْفر بصوت عالي: الموت لهرهور، الموت لهرهور، الموت للقط هرهور. أين أنت يا هرهور ؟ تعال هنا إن كنت قطا بحق وحقيقة.


نزل عن طاولته مع هتافات زملائه السنافر الصُّيع، خرج يسنفر عن ملذة أخرى، فوجد باب حجرة الرقص مفتوحة فأدخل رجله اليسرى فإذ هي ساعة الرقص الشرقي الممتع بتمايلها وغنجها ودلالها وبياض جلدها. حان المساء وقد أخذت كؤوس الخمر ما أخذت من عقله فخرج ليسنفر عن شيء آخر, فقد بدا أنه سأم الصخب والإزعاج، دخل حجرة الدردشة فأعجبته بهدوئها وجمال ترتيبها فهاهي مئات الهواتف المعلقة، فما عليك سوى أن تتناول أحدها وتتحدث مع من تريد لتتبادلا كلمات الغزل والحب والقصص الخرافية والمغامرات الكاذبة.


أصبح الصباح وهو لا يعلم أين هو وماذا فعل ، فقد الوعي، استلقى على الممر، خده على الأرض .


(سنفور ذكي ) بطبعه المسنفر السريع ونشاطه المتقد وحيويته التي تظهر جلية واضحة على محياه، رأى ما رأى أخواه ولكنه ظل يُسَنفرُ عن ما يريده هو.


تَسَنفرَت به قدماه حتى أوصلته لممر طويل هادئ قليل الإزعاج ، لا يبدو أن عليه إقبالا شديدا من بقية السنافر، ولكنه ما إن دخل قاعته حتى أصابته الدهشة و تسنفرَ عقله طربا، فكلِ علومِ الأرض وتاريخها وثقافتها ولغتها وجغرافيتها وعاداتها وتقاليدها أمام عينيه .


يا للروعة ، قالها وهو يقفز فرحا مستنفراً : نعم هذا ما أريد .


استنفر (سنفور ذكي ) كل سنفرته وجهده، ليقطف من كل بستانٍ ورده ويأكل من صحنٍ لقمة. يخرج من حُجرة ليلج أخرى ، وجد الكتب والعلماء والمثقفين والأدباء الأحياء منهم والأموات. فزاد من سنفرته ليلتهم كل شيء سقطت عليه عيناه.


وجد قاعاتٍ تسافرُ بك خيالا للمكان الذي تختاره ولو كان في أطراف درب التبانة أو في أعماق التاريخ.


استزاد علما وثقافة، والتقى آخرين أحبهم وأحبوه، شعر بالسعادة معهم المقرونة بالفائدة والتعلم.


مضى الوقت سريعا عليه، وهو بين هذه الأرفف والكتب والدروس والتدريب والمتعة الذي انتظرها منذ سنين عديدة ولكن (بابا سنفور) ينتظره في الخارج وكذلك أخواه (سنفور كسلان) و (سنفور صايع).

 ذهب لحجرة البحث والتصفح وبحث عن أخويه فدله العاملون فيها عليهما.



وجد الأول مازال قابعا على مقعده مُقطبا جبينه، قتله الملل، والآخر ملقى على وجهة في الممر.




شعوذةُ عين .





وحيدٌ في ساحة مظلمة
مستوحش المكان
تتراعد فرائصه
مُحتبئٌ في جلسته
ذقنه غُرز بين ركبتيه
نظراته للشرق منتظره
الأفق بعيد
والسماء كما الساحة
مُظلمة
انسكب عليها كحل العيون فلا سُهيلاً تجد ولا ثريا
.
.
فلاحت منك نظرة
مشرقة نورا
آسرة وجداناً
ساحرة شاباً
فاتنة قلباً
خلابة فؤادا
بديعة لا شيء مثلها
تحوي دَلُّ النساء ودَلالهم وتدللهم
لاحت تلك النظرة
من مُقلةٍ واسعة المحيط
رقراقةً ذات بصيصٍ وتلألؤ
كبرقٍ لمع
أو لمعانٍ برَق

كلؤلؤٍ أضاء
أو ضوءٍ تلألأ

كبحيرة هادئة تحتضن البدر
يلفهما أغصان تتدلى مائلةً تحمي العاشقين

لها صوت الهدوء
وهمسات السكينة
وخفوت الطمأنينة
.
.
رفع ذقنه بأناة
رحلَ خوفُه
حَلَّ حِبْوَته
ابتسم ، اغرورقت عيناه
اتكأ على يديه
نهض
خلع عنه بشريته
ارتدى أجنحة سحرك
بيضاء كاللبن
ناعمة من الريش
خفيفة أنيقة
حلق نحوك
جعلتِ حُضنك وطنه
تناولتِ يده
حلقتم أعلى وأعلى وأعلى ... 
 .
.


حبيبتي والأوباش.






مشتاقٌ لرؤيتها فهي الصبية التي أذهلتنا وأذابت قلوبنا حبا وعشقا عندما كنا في ريعان الصبا وفتوة الشباب.
عندما وقفت أمام دارها هوتْ عليَ سحائب الذكريات مع زخاتٍ من مطر الفرح والسرور، فها هي السنون جرت و تلاحقت وقد أخذت منا قيمة وجودنا فيها، ودفعنا من أعمارنا فواتير لهوِنا وسرورنا وغبطتنا حتى طار غرابُ الرأسِ و هبطَ مكانه طائرُ (البوم) الأبيض.
و بيدٍ مرتعشة، ذات عروق بارزة، كأنها جذورُ شجيرةٍ صغيرةٍ جرف ترابها السيل، طرقتُ البابَ المهترئ الذي ينبيك بما تَلبَّسه من غبارٍ أنك مقبلٌ على دارٍ أصحابها ملوها فهجروها، وتركوها لقطط الليل وكلاب الشارع. طرقتُ أخرى فلم أسمعْ أحدا يجيب فطرقت الثالثة، تلبسني العجب فها هي آثار أقدام رجلٍ ضخمٍ واضحة عند أسفل الباب. وضعت يدي على الباب فانفتح قليلا مُصدرا أزيزا يخترق جدار الصمت و ينشرُ القشعريرةَ في أرجاء البدن، ويحلقُ بالفكر إلى حياة الجن والجنون.
أدلفت رأسي مع طرف الباب كقطة تبحث عن مأوى، فامتد بصري مسرعاً إلى زاويةٍ في طرفِ الدارِ فإذا به سرير خشبي صغير تحت نافذةٍ تلجُ منها أشعةُ الشمسِ الصفراءَ لتُحاربَ بسهامها ظَلامَ المكان. عليه جسدُ فتاةٍ متهالكة جاثمة على بطنها. حملتُ أقدامي مقدماً واحدة ومؤخرا أخرى، دنوت رافعا حاجبيَّ مستغرباً متسائلاً: ماذا حصلَ في غيابي وماذا أصابَ الدنيا في تلك السنين. ماذا حل من عذابٍ حتى أصبحتْ تلكَ الفتاة التي ملأتِ الدنيا لهواً ولعباً، والتي كانتْ تتراقص فرحاً في تلك المروج الغناء والحدائق الخضراء، تلك الفتاة التي كانت تتمايلُ مع أعشابِ التلالِ يمنة ويسرة, وتُراقصُ الطيورَ المُترنمة حبوراً وطربا، و تتسابقُ مع ماءِ الجداول عندما ينسابُ من قممِ الجبالِ من أثرِ ذوبان جليدِ الشتاءِ الذي ما برح أن ذهبَ ليتركَ هذا الثلج يتصارعُ مع أشعةِ شمسِ الربيع.

كنتُ أذكرها وهي في ريعانِ شبابها تسيرُ في طرقاتِ القرية فما من شابٍ إلا ويُقَدم لها قرابينَ الطاعةِ وفروضَ الولاءِ مُرهقاً عند قدميها دماءَ القلبِ وثمراتَ الفؤاد. كنتُ أستمعُ إلى نوافذِ البيوتِ المطلة على الطريقِ عندما تنفتح غبطةً بمرورها وتنغلق أسىً بابتعادها.
كان شَعرُها المنسدل على عينها اليسرى، الملتوي خلف أُذنها اليمنى ساحرا كل رجالِ القرية الأليفة، جاعلا أعنةَ كبريائهم طوع أمره ورهن إشارته، متيقنون باستحالة مصافحة القمر فاكتفوا معها بالأماني.
تلكَ كانت حالتها واليوم أضحت جثةً هامدةً قد جمدت الحياة في عروقها وبرزت عظامُها فوق جلدِها، جلدُها الذي نما فوق قطع اللباس الذي ترتديه فلا تعلم أثوب يرتدي الفتاة أم الفتاة ترتدي الثوب؟
دنوتُ أكثر لأرى شفاهاً سوداء ذابلةً قد سئمتِ الحياة وشعرا متقصفاً نافراً ضمآناً للماءِ الذي لم يعرفه منذ سنوات، ورقبةً تعفنَ جلدُها و قد أضحت مملكةً الفطريات بلا منازع، رأيتُ كل هذا وهي مازالت منبطحةً على وجهها. وعندما سمعتْ وقعَ قدمي لم تٌكلفْ نفسها الحركةَ أو النظرَ، فقط أكتفت بفتح رجليها.
ذُهلت وأوقفتني دهشتي، فـ(عُرْبَة) وهذا اسمها كانت إله الشرفِ والعفة والامتناع والكف عن كلِ ما يسٌّود صفحةَ أيامها. ولحسنِ الحظ أن تلكُئي أثارَ عندها الاستغرابَ فرفعتْ رأسها المثقل بهمومِ الكونِ وحركتْ جسداً كأنه الجبل وانقلبت على ظهرها وأنيناً يقطعُ نياطَ القلبِ ليتراءى لي صدرٌ ضامرٌ به عِنَبتين ضامرتين من بؤسهما لم يقطفهما أحد على أضلعٍ برزت كأقواسِ رُماة مهرة، ورقبة عليها من آثار أصابع كفٍ كبيرة، فيبدو أن الرجلَ الذي رأيتُ أثارَ قدميه بالخارج كان يريدُ أن يخنقها ويُزهق روحها ولكن حبَ الحياة عندها منعته مراده فتركها تصارع آلامها وجروحها وأما هذا الجسد فهو لا يقوى على دفعِ ضرر ذبابٍ يحومُ على أنفه.
بادرتني: من أنتَ فمظهرُك لا يوحي بأنك منهم؟ لمْ أنبس ببنتِ شفه فانطلقتْ في كلامِها كلبوةٍ جائعةٍ رأت ظبية تعدو.
وقالت وفي صوتها غصات الأنينِ ولوعات الآهات تتقطع على سكاكين الظلم والأحزان وهي مدافعة عن نفسها: لقد أسلمتُ نفسي طائعةً باسمةً تحت عقدِ الزواج الألهي فليس لمثلي أن يخوضَ في وحلِ الدنسِ أو يلجَ أوكارَ الرذيلة.
صرخَتْ باكيةً متحشرجة ودموعها تحرقُ خديها الذَينِ لم يبقى منهما سوى اسميهما: أين أنت يالله ؟ أين رب الرحمة الرحمن ؟ صاحب العزة المنان؟ اللهم إني أرتجي رحمتك وأخافُ عذابك. استرسلت قائلةً: شحماً ولحما أخذوني ثم جلداً على عظمٍ رموني، أهلكوني، تحت أقدامهم المتسخة بالدماءِ والأوحال سحقوني، سلبوني ابتسامات الغزلِ والحب ورموها وراء بحار الذِلة والخِسة ليغشاني ليلُ العذابِ وظلامُ الأنينِ الذي لم ينجلي. نظرتْ إليَّ قائلة وعيونُها شفق الغروب قابضةً بشدة كفاً بكفٍ و عاضةً أسنانها: بكيتُها دماً حتى تخضبت منها أصابعي، فلم يجدي معهم إغماضةُ عينٍ ولا إغلاقُ أذن، فسهامهم الخائنةُ كانت تخترق قلبي قبل جسدي، كانت تَخرج من الداخلِ وما ذاك إلا عظم المصيبة وكبر الطامة ومٌر المكيدة من جبابرة ظلمٍ، خوارون عند الحقِ، شديدو قهر ومُعدَمو إنصاف. لا يعرفون من البشرية إلا لذتها الزائفة التي تُبنى على أنقاضِ حياةِ أنثى، هي في حياتهم نصفُ جسدٍ سفلي لا أكثر، امتصوا حياتي كما تمتصُ رمالُ الصحراء العطشى قطرات المطر أو كما يمتص الدبور ضحيته أو البعوضة من فريستها بل كسبعٍ يمتكُ عظماً، بل كما الصياد والطريدة والقاتل والذبيحة والفاتك والغنيمة كذلك كانوا وكنت. هناك أشياء مني تنزف ليتغذى بها ضَّارٍ من الضواري.
ما زلتُ أقفُ أمامها وجسمي كغربالٍ مُخرَّق من رصاصاتِ كلماتها الحارقة، فتنهدَتْ تنهيدةً خرجت معها أضلُعها فأسقطتني بها أرضاً.
ألقتْ بصرَها من خلفِ تلكَ النافذةِ التي كانتْ هي الوحيدة التي تمدها بالحياة وتهبها أسبابَ البقاء، وهي تُطل على بيوت القرية المجاورة لها لتخبرني أن لكلِ بيتِ قصة ولكل دُورٍ هناك مغتصبُ وناهبُ وظالم.
قالت: هل ترى هذه الاثنين والعشرين بيتاً؟ هل تعلم أن بداخل كل منها قصة ألم وحكاية ظلم؟ هل تعلم أن جدرانها تصرخً ونوافذها تئن؟ ودائما بطلُ القصة ذكرٌ مستبد يزأر داخلها ويوطأ على أنفه خارجها.
وذكري أنا ليس بالمختلف، فهو مثل غيره، قطٌ في صورة أسد، جبلٌ من الإسفنج وصحراء من الملح. تزوجته وهو فقير معدم لا يملك إلا غطاء عورته وهو كله عوره من رأسه لأخمص قدميه.
أول ما رأيته كان كسبع جسور وفارس مغوار يجندلُ الخصوم ويفرقُ الجموع، شجاعة مع بسمة ورجولةٌ مع عطف، شاعرا جزلا يصوغ الكلمات التي تُشعرك بحياة الأمل.
 دفع مهري كاملا للحق أقول، و ياحسرتاه فالفرح لم يكتملْ والبسمةُ قد تغتال بخنجرِ الكذب والضحكة تُخنق بحبل الخيانة، فما كان مهري من ماله ولا من حلاله. فقد بان لي أنه مخلوقٌ عجيبٌ له جلدُ أفعى ناعم مع أنياب ضبعٍ ومخالب وحشٍ، كان يشرفُ على الموت كل يوم من أجلي كما كنت أظن واسمع، ليزيلَ من الساحةِ عشاقي ويقتلُ في المعركةِ من كان يحلم بأحضاني. ولكن كما قلت فالمال ليس ماله والجهد ليس جهده فما سمعته من قصص ومغامرات ما كانت إلا مسرحية حيكت خيوطها بليل. وما علمتُ هذا إلا بعد فوات الأوان وطيور الطيور وجفاء الينابيع و عطش الجداول.
تهللَ وجه هذه الفتاة المسكينة عندما رأت تأثير كلامها على محياي فاسترسلتْ رافعة صوتها: جعلتُهُ زوجي فسلبَ روحي، ملَّكْته حياتي فاغتصب مالي، رفعْتُه على رأسي فغرز خنجره في جبهتي. ألغى اسمي وألحقني باسمه وأحرقَ كل الأوراق التي تثبتُ أصلي و فصلي ونسبي ومحياي ومعاشي. كنت (عُرْبَه) في الصباح وأضحيت ( سُعْدِية ) قبيل انتصاف الشمس في كبد السماء. بعد هذا كله، أزالَ قناع الكذب الذي ارتداه على وجهه الكئيب وأطاح بعباءة الدين التي كان يلبسها وأسقط العمامة الأزهرية من على رأسه، وأزاحَ لمحة البشرية التي كان يتسربل بها. وتبدل الحال من حال إلى حال.
أتساءل أين تلك البسمة وأين ذلك العطف؟ زيفٌ وخداع و أخلاق الثعالب. ولكأنك تراني أضع كفاً على أخرى، وأندبُ حالي وألعن حظي، استبانت لي أفكاره الدنيئة وطموحاته القذرة كانبلاج صبحٍ عن ليل، طلبَ مني المال ملحا ومتعذرا بفقراء القرية وضعفائها وأراملُها وأنه  يؤثرُ على نفسه ولو كان به خصاصة، ويشبِّه حاله بسحابةِ الشتاء التي تصطبر على برودة السماء لتمطر الغيث على أهل الأرض المساكين، وأن الله قد اختاره ليكون قيماً وسيداً، وتناسى أن الله لا يحب الظلم و لا الظالمين. وليته استكفى بذلك، بل سلب صحتي ونتف أوراقي وأزال جذوري وباع شرفي. ثم أطرقتْ هُنيهة ودموعها كلؤلؤٍ يتساقط في حضنها ثم أكملت وهي تخاطبني بصوتها الناعم كنسيم الصباح: نعم باع أغلى ما كنت أملك، وأغلى ما كان يملك هو أيضا، فشرفي هو شرفه وطهارتي من طهره، ولكنه ديوث قُنْذُعُ لا يُبالي ما يُنال مني. فقد أرشد أصدقائه على بيتي وفي أحيان كثيرة يأخذني أنا إلي بيوتهم. هل رأيت هكذا ذكر، همه سعادته ولذته. فأنا له ولأصدقائه وعلى مرأى منه ومشهد، ليأخذ ما بقي من روحي، كنت أحسبك مثلهم عندما سمعت وقع قدميك فباعدت بي قدمي فهذا هو كل ما أفعل وهذا هو مجلسي الذي أجلسني فيه الشيخ (سعودان).
هنا جمدَ الصوت وسكتتْ الحناجر، ورفعتْ بصرَها تنظرني، وكلام العيونِ أبلغ وبحارها أعمق، فرغم ما قاسته من ألمٍ وجوعٍ واضطهاد فهي تبحث عن أمل، وكأنها رأته عندي وبين جنبي. فقلبُها حن للتحليق كطائرٍ حر، وجسدها يريد أن يغتسل من الأدران ويعود كورقة خضراء تقطر ندىً كل صباح، وروحها تبحث عن أرواح ملائكية نورانية بعد أن خنقتها أرواح البشر الترابية.
اقتربتُ منها ومسحتُ على رأسها وجلستُ بجانبها وأخذت بنانها لألثمه بقبلة الابن البار، فاحتضنتني وجعلتْ رأسي على صدرها وهي تشمُ شعري كأمٍ وجدت ابنها بعد عودته من سنوات الضياع.
نادتني: ابني ابحث عن إخوتك وهلموا إلي مسرعين وانتشلوني من الوحل، ردوا لي بريقي ولمعاني، امنحوني شبابا ضيعته، وعمرا أفنيته، أسقوني من مائي، وقدموا لي من أموالي، ألبسوني ثيابي، دثروني عباءتي. ابعدُوا عني ما يحومُ حول رأسي من خفافيش، وما يدبُ تحتِ من ثعابين.

ابتسمتُ لها وضربتُ بيدي صدري، فإذا بالبابِ يُفتحُ بقوة ويدخلُ الشيخُ مسرعاً وجنودُه، والشررُ يتدفق من عينيه، فيبدو أن له أعيناً ترقب وآذانا تُصغي، نظرت للنافذة المطلة، ثم أزحت بصري عنها ووقفت معيدا النظر للشيخ المُغتصب.أمر أحد جنوده أن يستلَ سهماً من كنانته، وضعه في قوسه، أرسله كالبرق تجاه صدري، سمعت حطام ضلوعي مع عويل (عُرْبَه)


ابن جاري .





أقول لهم وقد جد الفراق......رويدكم فقد ضاق الخناقُ.
رحلتم بالبدور وما رحمتم....مشوقاً لا يبوخُ له اشتياقُ.

وداع الغريب مؤلم.
ووداع الحبيب قاتلٌ.
سنةُ الحياة عناق ثم فراق وأكثر الأحيان هي عناق وفراق.
ما إن تتلاقى الأيادي والأكف وتتشابك الأصابع بعد تشابك القلوب حتى تنسل من بعضها
فتسمع -واحر قلباه- حشرجة الصدر وأنات الألم و غصات الحنين.
تسكبُ جفون الليل قطرات الندى على تيجانِ الأزهار ليأتي النور ويبخرها كأن لم تكن.
فراق يتبعه فراق، وبُعد يتلوه بعد.
ومن عجيب هذه الحياة أن هناك من يمشي حولنا و يدور في فلكنا من أقارب و أصدقاء حتى أننا نستنشق أنفاسهم ونشم رائحتهم ونرى ضياء وجههم ونبتهج بجود أفعالهم ولكن من سوء الحظ أنها في حياة واقعية ترمينا بسهام كدرها، ورصاص سأمها، تلفنا بليل قذاها وتطحننا برحى عسيرها وأعمال شقائها، فعنهم ننشغل ، وبالسؤال عن أحوالهم نبخل.
وفي ثورة الشبكات الاجتماعية والتواصل السريع التي حاربت بسهامِ نورِ سراجها ظُلمةَ الواقع المزيف فكشفت لنا معادن الرجال وقلوب الأوفياء وأفئدة المخلصين. أزاحت الغشاوة عن بصائرنا لنرى أجسادا من زجاج خلفها قلوب بيضاء تنبض حبا وصفاءً. فلا يخرج منها إلا ماء رقراق ونسيمٌ عليل وأرجوزة تأسر الكون بنغمتها وموسيقاها.

ومنهم ( ابن جاري ) فله عندي على شغاف القلب لمسه، وداخل الأحشاء همسه، وحول الفؤاد بصمه، وداخل الصدر لوعه.
فصبرا لأرضٍ أنت تفارقها وهنيئا لأخرى أنت راقيها.
فعند لحظات الفراق أجد مشاعراً مختلطة تتصارع أمام مشارف القلب ودموعا حمراء حارقة تعاقب العين التي أبطأت رؤياك لتلسع بسوطها خداً لم يودع خداك.
فلأجلك ينفجر الصمت ليخرج من وسطه شوقاً لما فات، وندماً على ما ضاع من أوقات.
كم من لحظة أجبرتنا على أن نشكي آلام بعضنا ونُمازح، ونُقلب جروحنا ونتضاحك.
غصاتٌ ولحظاتُ موتٍ جمعتنا.
شهقات وزفرات قتلتنا.
على من عُبد اسميهما وحُمدَ.
أخذنا أكفنا بأكفنا بلا شعور.
تواسينا بلا تكلف.
رقَّقتَ علي فأشفقتُ عليك.
تبادلنا الحروف بحثا عن السلوان.
فسكنّا واديا من غير سكان.
تناجينا......
تعانقنا بلا مكان.
فالأرواح لا تُسجن بأقفاص المكان والزمان.
كنا نجالس صفحات الذكرى فنقرأها والدموع تحجبُ عنا ما حولنا.
فأضحت الدموع دماً والبكاءُ نحيبُ.

الشوق سيأخذ منا أكثر مما أخذ، وعزاؤنا أن الوصل بعد النوى أشهى وألذ، فأكفنا ترتفع وألسننا تدعوا رباً كريماً بأن ينيلك أمانيك وينير لك دربك ويجعل التوفيق حليفك ويعينك على غربتك ويُعيدك سالما غانماً وينزل الصبر على قلوبٍ غصت لفراقك.


آلام.





أهكذا ستسير السنين؟
أهكذا سينقضي العمر تحت أقدام الليالي والأيام؟
أهكذا تتهشم اللحظات الجميلة ؟
أهكذا يتصدع زجاج الحب ويهوي كحبات من الكرهِ والحقدِ ليجرح أصابع من يمسك به؟
أهكذا تنطفئ شمعاتُ الأملِ ويخبو نورُ السراج؟
أهكذا يغطي الظلام أبصارنا؟ أم أن السير بغطاء من الظلامِ في النور أفضل من السير بنور الفؤاد في ظلام الطرقات؟
الجواب بأن الألم أصبح طبيعة والوجعَ حياة والجُرحَ عادة ونزيفه ارتواء. 
دمعةُ بلا بسمة، ووداعُ من غيرِ عِناق، وليلٌ بلا صباح، وسموم بلا نسيم، وجفاف من غير مطر، ضِحكةُ من غير نواجذ، هدوءُ من غير سكينة، فقرٌ مع مال، وعريٌ مع لباس، وكآبة مع ملاهي، وسقمٌ مع دواء، وضجر مع أصحاب، وجهلٌ مع فقهاء، أو شوك وطلح وغبار.
جفت جداول الوادي، وماتت زهرة البنفسج، وتحطمت الإقحوانة كما تتحطم الفضيلة تحت أقدام البِغاء. 
لا تقل هي نظرتي للواقع الأليم، فهو واقعٌ من غير أن أراه، ولا تقل ارتدْ نظارة الأمل لِتُزيح مآسي الألم.
دنيا تعيسة لا تقبل إلا التعساء، لا مكان فيها لصحنِ خبزٍ روحي ولا عصيرٍ ملائكي نتناولهما بأفواه القلوب والخواطر. فتربتها الشيطانية المختلطةُ بماءِ البشريةِ القذرِ المُشبعِ بكذب المُلتحي وخداع الرأسمالي وظُلم الحاكم واستبداد الرئيس وتسلٌطِ الأخ وصراخِ الزوجة وصِراعِ الصديق ومجابهة الأمواج ولفحِ الرياح، أُخِذت ليُصنع بها كائن صلصالي ضعيف سلس منقاد صاحب شكل خارجي أجوف. 
سُلب ما بداخل الصدور ونُزع ما في القلوب ليبقى الجسد الترابي يهيمُ وحده كآلة تكدح وتعملُ لأجل صاحبها. 
عُظِّمت الشرائع البشرية على حساب حريةِ الجمال ومُتع الدنيا ولذة الحياة، فأصبح الكل كطائرٍ محبوسٍ في قفصٍ يعاني الجوع وعنده أكله ويقاسي العطش وماؤه حوله.
من سن الطفولة ونحن نسمع صرخات من اللاءات تصم الآذان وتفجرُ الدماغ، حتى أصبحنا نحن نكررها لمن حولنا فقد أصبحت شرعا وعادة. 
نسير في طريق من اتجاه واحد يوصلنا إلى جرف وادي سحيق فنتساقط واحدٌ تلو الآخر، فإن عاكست السير للنجاة دهستك الأقدام وهلكت وإن أكملت المسير سقطت. 
نحتاج شيئا نابعا من القلبِ، متقدا من الفؤاد، جارفا كالسيل قويا كالصخر، نحتاج حبا يُنعشُ القلب ويُلهب الأحشاء.
حبا بين الأخ وأخيه والزوج وزوجته والصديق وصديقه والرئيس ومرؤوسيه والحاكم وشعبه والوزير و خادمه والرجل وأبنائه والمرأة وجارتها.
نحتاج أن نترجل عن سرج كبرياء البشرية المصطنعة وننزلَ عن عرشنا المزيف ونزيحَ عن كاهلنا عباءة العنصرية ونعود كما خُلقنا ونستبدل قلوبنا بقلوب أطفال وعقولنا بعقول حكماء، عندها سيلمُ الليل أذياله وينسحب لتُشرق أشعة شمسٍ تسقطُ على المباني والأزهار والحدائق فتُحيلُ لونها للون الذهب البراق ويمتطي الشتاء فرسه راحلا لنستقبلَ الربيع فنهشُ به متأهلين ونقودُه مرحبين فتنمو الإقحوانه  من جديد وتحيى زهرة البنفسج ويترقرق الجدولُ حرا إلى الوادي. 




وطن يرقص ألماً .




ناديت بصوت جهور وصحت حتى تقطع الصوت. يا  لتلك المغرورة الغائبة، الفاتنة الساحرة، والأنثى المغرية. أريد فقط حوارها وسؤالها عن فِعْلنا بها حتى تركتنا تحت ظلام الليل تنهشنا السباع و تأكلنا الأسود والضباع. ماذا يا سيدة النساء؟

جسدك الطري لم نقترب منه وجلدك الغضُ لم نلمسه، و نهداك النافران لم نتحسسهما، فقط اكتفينا بالنظر اختلاساً، أما أردافك المتكورة فلنا معها ومع الجُبن قصة.  فنحن ابناء شيخٍ علَّمنا منذ الصغر على حُرمة الإقتراب منك والتغزل، مع الحفاظ على حقوقك وكرامتك وشرفك، ومن غير أن نسأل ماهية الحقوق والكرامة والشرف. أناديك فعساك تسمعي كلامي وتنصتي لأنيني وتتلطفي مع حشرجة حلقي الذي سئم الصياح، ومل الطلب والترجي كل صباح.


أنادي السيدة ( حرية ) القابعة وراء قضبان غرورها، وخلف سور تعاليها. والمُعلِقةُ على بابها ذلك المُهندُ الأبيض اللامع والذي ينبئك عن خطورة الإقتراب منها ومن أسوار مملكتها. أناديها في يومٍ يَحتفلُ فيه أبناء الوطن بتشرد أبناء الوطن في مسرحية الاحتفالِ بالوطن. في يومٍ محفوظ فيه ماذا ستقول وماذا ستسمع وماذا سترى. في يوم يصبح فيه للكذب رائحة ،وللتزييف نتانةٌ واضحة، في يوم تباح فيه المحرمات ويوطأ على أنف المقدسات وتُنسى التقاليد والعادات، فعند الضرورة تباح المحظورات. ومن الضرورات بمكان أن يتراقص أهل الحرمين على تراب الحرمين.


اليوم الوطني يوم ترديد لمجد أمه وحضارة وطن، حتى ولو خداعا وكذبا، المهم الرقص والتطبيل والغناء وإلقاء الموشحات في مدح هذا وتأليه هذا، وملئ الصحف بالشعر الأخضر والكلام الأخضرِ والترهات الخضراء مع كثير من الصور والجمل التي تُعلي شأن من ليس له شأن. فالبعض يتراقص على أنغام الدندنة  وهم الأغبياء السُذج والبعض يتراقص على أنغام السرقات ودندنة زيادة الأرصدة وهؤلاء عقلاء الوطن. 


في هذا اليوم تَحضرُ فيه السيدة ( حرية ) بلباسها القذر السمج الذي خاطه لها الخياط الإنجليزي و بمكياجها الفاخر القادم من الأسواق الأمريكية. 


ونحنُ فقط كقطيع أغنامٍ يُحبسُ طوال الفصول الأربعة وفي يومٍ واحدٍ ماطرٍ يطلقها الراعي لترعى في الجبال وبين السهول فتسير على غير هدى فالجوع والعطش يقودها والمطر من فوقها يُعميها. وفي المساء تعود إلى زريبتها ولا ترى الشمس لسنة كاملة. 


في شوارع تحليةِ مدننا العظيمة تُقام ذكرى أمجاد الأمه وحضارة الوطن لنُخبر العالم أجمع كيف تمت عملية توحيد بلاد التوحيد وكيف رُفعت راية التوحيد وكيف سيتم إنزالها حتى تداس بالأقدام .


نبين للعالم أننا شبابٌ ساذج معتوه وبناتٌ شهوانيات حمقاوات، نبغي التراقص والغناء ولكن تحت قرار ملكي وتحت مظلة القانون. لنؤكد للعالم أننا ألواح من الرخام المزيف يتظاهر باللمعان والقوة وما إن تلمسه هبة ريح حتى يهوي متحطما متكسرا.


فبعد أن أظهرنا تراثنا الراقص في مهرجان الجنادرية ها نحن في هذا اليوم نؤكد ذلك للمشككين والمترددين. ونؤكد للعالم أيضاً أننا أفراخُ دجاجة نمشي وراء أُمِّنا فنحن لا نعرف من الدنيا غيرها, فإن شرقت شرقنا وإن غربت غربنا.


نردد ( يا وطنا يا وطنا عمت عين الحسود )  بين أزقة العاصمة الرياض التي توقفت عقارب الزمن فيها عند الستينيات من القرن الماضي والجميل في الأمر أنها تحمل عبق الماضي وجمال التاريخ العتيق. ونكتب في الألواح ( بلادي منار الهدى ) وأبناؤها يدرسون في الخارج ونحلف ظلما وزورا ( بلادي والله ما مثلك بلد ). وعلى أصوات الكمنجة الحلال والقيثار الإسلامي ندعو ب ( الله لا يغير علينا ).


نحن واثقين بأن الدنيا خلقت لنا وحدنا وأننا شعب الله المختار الذي في الآخرةِ سيلجُ الجنة من أية أبوابها أراد، والنتيجة أنه مع كل يوم وطني يولدُ فاسد ، ويخرجُ ناهب ، ويُطلُ كاذب.


ومع كل يوم وطني نجد قصة مأساة ودموع ثكلى وأنين مظلوم.


ومع كل يوم وطني نعلم أن هناك إجازات من غير إنجازات. 


مع كل يوم وطني نجد  (هيلة القصير) في سجون النساء لأنها نطقت بحق.  


مع كل يوم وطني هناك ماجد الدوسري وريهام الحكمي وذكريات وزارة الصحة المؤلمة القاتلة.


مع كل يوم وطني شيخُ لم يجد علاج، ومُعلمة تركت أولادها الصغار تحت رحمة الموت تتلو دعاء السفر لتسافر لمدرستها. 


مع كل يوم وطني نجد جنديا يصبح وزير تعليم وآخر نائباً لوزير.


مع كل يوم وطني هناك ساهر لسلب الجيوب وحافز للضحك على الذقون. 


مع كل يوم وطني هناك قرار ملكي لا يُطبق لأنه لا يتناسب مع أهواء الشيطان وكل ماردٍ خوان.  


مع كل يوم وطني يذهب تويجري ليأتي طبيشي ويُقال آل شيخٍ ليُنصبَ ال شيخٍ آخر وكأن البلد كُله أربع عائلات فقط. 


مع كل يوم وطني ينتحر شابٌ قهرا وكمدا فلا عمل وجد و لا إعانة لقي.


مع كل يوم وطني هناك مسن يبحث في القمامة وعجوز تشحث عند البقالة. 


مع كل يوم وطني يُزال شارع ويُرصف آخر أمام المسؤول، وأحياء جدة تئن و طُرق أبها مازالت تمارس عملية الإغتيال والنحر. 


مع كل يوم وطني هناك (مُشْعِلٌ) للأراضي ومُغتصبٌ للأملاك. 


مع كل يوم وطني تُوَرَّثُ الوزارات وتُقْسَّم الكعكات بين أبناء الهاي هايات. 


مع كل يوم وطني تُسلب المليارات ليهنأ هذا ويرضى ذاك. 


مع كل يوم وطني نسمع بكاءً خلف الأسوار ونرى مظلوما وراء القضبان فلا هم حُوكموا فارتاحوا ولا هم تُركوا يأكلون من أرزاق الأرض .


مع كل يوم وطني ينتفخ بطنٌ شبعا ويضمر آخر جُوعا وقهرا.


مع كل يوم وطني نجدُ طفلا يبكي الجوع والحليب، محروما من الدواء والطبيب.


مع كل يوم وطني كرامةٌ تُداس وعزٌ يُهشم وشجاعة تُقتل.  


مع كل يوم وطني فاجرة تُرقّى وكاذب يُنصَّب وعقيمُ فكرٍ يأمر وينهى .


مع كل يوم وطني فتاة تتراقص عارية كاسية وتتنادى بظلم الذكور وسطوة المجتمع وسجن الحجاب فيُنصتُ لها، وأخرى لا تعلم أين والدها أهو فوق الأرض لتبحث عنه أم تحتها لتدعو له فكأنها تنادي أمواتاً. 


وفي النهاية فمع كل يومٍ وطني تزداد الفجوة وتكبر الهوة. فليس من تسرول باللون الأخضر وصبغ وجهه وحذاءه يكون قد خالج شغاف قلبه حب الوطن وعرف ماهية حب تراب الوطن. فالحب أعلى وأنبل. فهؤلاء الشباب بحاجة لحبِ السيدة (حرية) وتقبيل شفاهها وشم عبق رائحة شعرها و النوم في أحضانها، على سرير العدل والمساواة.

 الحرية الإسلامية العاشقة لأخلاق المسلم الحقة، الحرية المرفوعة الرأس التي تسمو بصاحبها وتعلو، القائمة على أركان الكرامة تحت سماء سماحة الدين وفوق أرض الثقة والأمن والأمان، المتسربلة بحب ولي الأمر العادل. فإن هواء الحرية النقي يضمن لك صحة أبنائك وصلاح نفوسهم. فهم يريدون وطنا يُشبعهم قبل أن يسجنهم.