( سَلْبٌ )




 بحثتُ في الصباح، 
في المساء، وعند الشجر .
حلقَ العقلُ ثم أطلقَ النظر.
غابتِ الشمسِ وطاف موعد السفر .
سِرْتُ الجبالَ والوهادَ والطريق الوعر .
في جوفي همةٌ لا تبردُ لا تتعبُ لا تستقر.
،
أخفوكِ.
غطوكِ.
كَفروكِ.
حجبوك كما الغجر .
دفنوك تحت الحجر .
،
مجرمون يخرقون المضاجع .
سفاحون ينثرون الفواجع .
،
أحفادُ أحفاد يهود.
نقضوا العهد والعقود .
أعلوا الجُدرَ والسدود .
مكَّنوا الوحشَ والقرود .
،
أين الزهور والإقحوان
أين لحظات السعود. 
أين الروض والسحاب ذات الرعود .
،
اقذفي يا سموات ومُجي الروح لا تُحتٓضر .
اقذفي يا سموات شهباً تخسفُ بمن غدر .
أمطري
نعم أمطري يا سموات قلوباً علَّها تعتبر .
قلوبا علَّها تعتبر.
،
ماتت الملوك وسئمنا البكاء .
دارت الأفلاك فهدمنا البناء .
ردمنا القليب عطشى للدماء .
،
سئمنا الشقاء
سئمنا الشتاء
نريدُ الضياء
نريدُ الضياء. 


مُوَاءَمَة





غُصْ جوفي لنجعل الدفئ نورا ، أَقبضُ معصمك وأُحيطُ بعنِقك والعين تُبحِرُ في العين.

أتذكّر حبيبي قبل أن أهنأ بقربك سنينَ ظلامي ولحظات عتمتي وخرفشة الخفافيش من حولي في سراديب الكهوف الملتوية حيث كنتُ أعيش. 

كم من صرخةٍ صرختُها وأنا قابعةٌ داخل الوجار، غاضبة آكل من نفسي حطباً لأتقيأه بعد دقائق جمراً يندفنُ رماداً. تتصارع ألواني القانئة وتتقاتل ويُجندل بعضها بعضاً لتمنح الظلام ظلاماً والسواد سواداً .

يحلُ ليلي فلا أنام قليلاً، فلم ينبتْ جفنيّ وأكره الدموع حقاً .
عندما أخبرتُك كم من أختٍ لي ماتت وانطفأت شمعتها من أجل دمعة ، فغرتَ فاك !

أريدُ أن أبكي وأٌحبُ الحياة رغم اللهيب .

كنتُ وحيدةً، لا أرى أبعد من مد يديَ، متكورةً أُصلي من حولي بلهبٍ لأطردهم عني خائفة أن تمتد إلي يدٌ عابثة تعبث بداخلي وتهتك ستري وتُحطم مشاعري التي حتما ستقع .
صرختُ : جوفي خِواء .

الذكريات تُنعشُ الأطباء، فتعال ( عشيري ) نطوف بالشارع قليلاً قبل بزوع الفجر. ما عدتُ أخشى الظلام.

أنت - حبيبي- كنتَ حينها على النقيض تماماً، كنتَ بالقرية المجاورة، كنا نُطلقُ عليكم ( قرية الصقيع ) تعبيرا عن غيضنا عندما تنادوننا ( سكان الظلام ). كنتَ في أيدي الرجال وأحضان النساء والأطفال وتطرد الشياطين. إذا هبط الليل تؤنس المحبين بقليلٍ منك فقط ، وفي النهار تُجلي الحقيقة .

كم أضحك عليكَ إن تذكرتُ لِين عطفك وهشاشة قَدِك وهُيامك بتقليد النساء، لو لم ألحق بك لرحل بك غنجُك من مضارب الرجال وألحقك بمخادع النساء .

ولكن أيضا أتذكر أنك تكره برودة جسدك وتبتغي الرُقي وتحدثُ نفسك: ( لما لا نجمع الآراء الأضداد ونولِّد فكرة جديدة ، سئمنا الاختلاف) .

فُتحت لي أبواب السماء بقدومِ رسالتك وأريجها الفواح وشذا طيبها العطر، تدعو للقرب وتشتهي الوصال .
جرَّتني الأيادي للاجتماع العاقر، تمددتُ على الطاولة للفحص، إنهم لا يكترثون بي، أُحلقُ فتختبئ الرؤوس. لماذا أخذتوني إذن ؟

مِنجلُ الاستحواذ يقتص الزهرة وأقفاص التعسفِ تخنِقُ الفكرة. الرحمة الرحمة .
انزويتُ، هربتُ، حثيثة الخُطى والأنفاس، حضنتك، مكنتك من نفسي، مزجنا الأخلاط بالأمشاج، طلقتُ وحدتي وظلامي، ملكتُ نورك .
مازلتُ في الوجار ولكن أرى أبعدَ من مد يديَّ بكثير.


ثمار رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية للدكتور ( عمرو شريف )


 
الدكتور عبد الوهاب المسيري عشقتُ فكره قبل أن أقرأ له، وجذبني نتاجه قبل أن أطّلع عليه، ذلك الدمنهوري النابغة، والمصري العبقري، والمفكر الجهبذ، والمسلم المُفكر. عاش صراعاً فكرياً تمخض عن عقلٍ جبار، ورؤية سديدة، وفكر ثاقب، ولمدة ربع قرنٍ من الزمن بدأه بسؤال الشك والحيرة والبحث عن إجابة لتلميذٍ يتملكه الإلحاح فاصطدم بمجتمع يحفظ ولا يُفكر ويردد ولا يُجدد. كانت حيرته عن الشر في العالم وما الحكمة من وجوده ولماذا الحروب والدواب والأفاعي والحسد والاستقواء والظلم وعن أصل الكون والإنسان. تساؤلات بديهية في مثل عمره عصفت به وحيداً كما تعصف الرياح بخرقة بالية، فكان الإعلان بمُقاطعة الصلاة والصوم إلى أن يجد الإجابة. وكأنه وهو في وسط هذه العواصف إذ تلقته ( الشيوعية ) بفكرها الساذج وإجابتها المريحة ونموذجها المادي المُختزل فوجد عندهم بعضا مما يريد وانخرط في الماركسية ومبادئها فأصبح مادياً ينظر لك شيء من منظار لينين واستالين.
ما كان المسيري يعيش عيش العبث الفكري والتقليد الأعمى حتى وهو في أحضان الماركسية فاصطدم بالتناقض بين المبادئ والواقع والمناداة بمشروع وتطبيق نقيضه. كان يملك المسيري نموذجا معرفيا واضح الأهداف بيّن الاسلوب فلم يقبل الماركسية، وعاد بالتدرج إلى ثنائية الإنسان ( المادة والروح) ثم الإقرار بالمصدر الغيبي ( الإله ) ثم النماذج الدينية واستقر به المطاف في أحضان الإسلام من جديد. كانت رحلة عقلية صرفة نابعةَ من التأمل والفكر والدراسة والقراءة والاطلاع.
في هذا الكتاب ( ثمار رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية ) يسرد لنا الدكتور عمرو شريف مائة وخمسين ثمرةً قطفها بيديه التي لا تخطئ الثمار اليانعة من حدائق المسيري الحياتية والدمنهورية والفكرية والتأملية و الترحال والهجرة إلى بلاد النور الأمريكية وكيف أن هذا العملاق المصري نزلَ بأرض الأحلام وشوارع التقدم وأنوار الحضارة فلم تُبهره ولم تنل منه بل كان ينظر لها بمنظار الواثق من نفسه، المتمكن من فكره، وبعقله الذي لا يقبل شيئا إلا بعد أن يعلم كيف؟ ولماذا ؟ ميز المسيري بين المادي والطبيعي وفرّق بين المتناقضات والتي كانت من فترة لأخرى تعصر به، فقد ذكر كيف أنه كان ينادي في مُحاضراته وينوه بمناقب الغرب المستنير وما فيه من تقدم وحضارة وكيف أن جانبه الآخر يعلمُ بأزمة الإنسان الحديث وتفتته واغترابه عن ذاته وطبيعته. عَلِم أن المجتمع الغربي قد اختزل نفسه في الإنتاجية وحسب، فالفرد فيه كالآلة يعمل لينتج فقط، وكلما زاد انتاجه زادت قيمته ثم إذا زالت قوته عن العمل أصبح كالآلة البالية المركونة في أحد المستودعات. وبسبب هذا المبدأ العقيم والنموذج المادي فالفرد الأمريكي مثلا يعيش كفردٍ دائم القلق أزلي البلبلة سرمدي الاضطراب، وهذا التذبذب في شخصه يجعله أكثر إنتاجيه على حساب الروح والحياة والإنسانية. فالتقدم العلمي الغربي مشبعٌ بالإيمان بمفهوم (التقدم) السريع بأي ثمن إلى أن تنامى هذا المفهوم وأصبح هدفاً بحد ذاته يحارب الأفواه المُتحدثة عن (تكاليف) هذا التقدم وغلاء ثمنه المدفوع من قيم الإنسان.
الإنسان عند المسيري هو أن يكون الإنسان كائناً حرا يصنع التاريخ وجزءً من الطبيعة ومستقلا عنها ولا يُمكن أن يُرد إليها، كائن له منتجاته الحضارية التي تمنحه خصوصيته القومية والإنسانية.
أما صراع المسيري مع الصهيونية فهي حياة بأكملها عاشها المسيري منذ صغره وحتى أن أهدانا موسوعته الشاملة الكاملة الماحقة الفانية للصهيونية (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) والتي سلك فيها منهجاً مغايراً في التأليف، مع اتباعه لأسلوب التجديد والعودة بكل المصطلحات لأصلها من غير تزييف ولا نفاق، وليُعري هذه الصهيونية القميئة من انسانيتها المزيفة ومن حقها الدعائي الكاذب.
تجد عند المسيري منهجاً في الضبط قلما تجده عند غيره وهو التفريق بين المصطلحات الشائعة تفريقا علمياً فاحصاً فهو يخبرنا ماهي الموضوعية والموضوعاتية والواقعية والوقائعية والفكر والأفكار والحقائق والحقيقة، فله فيها فلسفة ممتعة جذابة تسلب العقول وتخطف الإدراك لتنير له دربه وتكشف له ما حوله فما يعود يمشي في دروب الظلام وصحاري القحط والوبال.
مما راق لي في قراءة سيرته الفكرية تفريقه بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية والتي فيها – ربما – بعض الحلول لبعض المعارك العصرية وهو أن العلمانية الشاملة أيدولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان والقيم وتختزل حياة الإنسان في البعد المادي وحسب ، أما العلمانية الجزئية فهي تترك حيزاً واسعاً للقيم الدينية والإنسانية والأخلاقية المطلقة. أي أن تكون لديك القاعدة متينة من قيمك ومعتقداتك لمُعاصرة ما يدور من حولك من تقدم وحضارة. وأيضا ما ذكره عن حركة تحرير المرأة وأنها أصبحت حركة التَمركُز حول الأنثى وأن الأمر لم يعد حديثاً عن التحرر وإنما عن تثويرها ضد الرجل وعزلها عنه وأن الصراع أصبح بين الأنثى المسيطرة العنيفة المستقلة المتكبرة الباحثة عن المتعة وبين الأنثى اللطيفة المؤدبة الخاضعة وتكون النتيجة رجال يشربون المخدرات أو يراقبون تلك الأنثى من بعيد .

والخلاصة أن المسيري ارتحل رحلةَ أدرك من خلالها فشل ونقائض الحضارة الغربية وأن التعايش الثنائي ( الإنسان/ الروح ) هو الركيزة الأساسية لتعيش كإنسان إنسان. المسيري لم يرفض الحضارة الغربية برمتها بل يرفضها تماماً في قوالبها الجاهزة من غير طعم ولا رائحة والمفروضة فرضا على المجتمعات الإنسانية فهو يؤمن بوجوب أن نملك نماذجنا وقوالبنا الخاصة، لبناء حضارة مزدهرة تسمو بنا وتسمو بالبشرية جمعاء فنحن نملك العقل والمادة والروح والقيم. 


رجالٌ من التاريخ




إن أردت التاريخ فهذا مجاله، وإن أردت الأدب فهنا منبعه ، وكأنك تشربُ من جدولٍ ماؤه التاريخ وحوافه الأدب. في تناغم عجيب وتلاحمٍ ساحر بصنعة صانعٍ ماهر و مُحترف بارع. مع رجال من التاريخ و في ليلتين حلقتُ فيها مع الشيخِ الأديبِ المرحوم ( علي الطنطاوي ) رحمه الله في حدائقه ورياضهِ الغناء وعلى سفوحِ جباله الخضراء، يصعد بي واحداً ويهبط بي الآخر . حُزتُ الفوائد الشريفة وقطفتُ الثمار اليانعة ونلتُ الربح الوفير الذي لم أجدهُ من مطالعةِ كُتبِ التاريخ وتعقيدات المؤرخين، وزادني أن أذاقني إياها في كأس الأدب الطنطاوي الشفاف اللامع وأسلوبه البليغ المُقنع الدامغ.
كتابٌ كان حلقاتٍ في الإذاعة السورية فطبعها في كتاب قلما تجد نظيره و شبيهة . فيه سير الأولين وقصص اللاحقين ، فيه الموقف النبيل والمُقام الشجاع والرسو المنيع، تجد فيه الشعر الفصيح والطٌرفة الأدبية والقصة الشعبية .
هو كسفينة ارتحلت وطافت بك البحار المحيطات وزارت من الأرض الجزر الشرقية والشواطئ الغربية في رحلة سياحية ، مدفوعة التكاليف ومقبوضة الثمن، تتضمن برامجها إعمال للعقل و إظهار للفكر وانشراح للنفس مع طاولة للأكل طوال الرحلة تحوي أكل الهنود وموائد العرب وطعام الترك ومشارب من الأندلس والمغرب .
تقعد فيها مع الحنبلي حيناً ومع الغزالي بُرهة  ومع المُهلب لحظة ومع عُروة أخرى، تتعرف على أحمد بن داؤد و الأميرال أسد بن الفرات وقاضي قضاة الأندلس بن بشير ،  وخطيب الزهراء المنذر ، وسلطان الهند أورانك، وباني مُرَّاكش يوسف وشارح القاموس الزبيدي وقراقوش المظلوم و (رضية ) المنكوبة وأبو دلامة المُضحك والشاعرة التيمورية العاشقة المُحبة المحرومة الفاقدة. والشاعر الذي رثى نفسه، وأيضا تلتقي بسيد شعراء الحب العذري الشريف الرضي. لن تمل الرحلة ولن تضجر من السفينة ولن تحقد على القبطان، فلن تجد رحلةً مثلها ، ففيها بصمة لن تراها عند غيرها وفيها دمغة اُختصَت بها عمن سواها .

رسائل الروح .. ( الرسالة الثانية ) .



مهجة فؤادي وعين قلبي :
أمانُ من الله عليكِ، و سلام من قلب مجروح لقلبك ، وتحية من كبدٍ مكلوم تصلك في مأمنك وتمنحك مأملك، وشوق من الفؤاد يحوم حولك حتى يتأبطك لهيبا و يلتهمك صبابةً. أتدرين أن بين الشوق والزمن خصومة وعداوة ، فلا الشوق ينتظر الزمن ولا الزمن يعير الشوق اهتماماً. فلا رابط بينهما كما ليس هناك رابط بين وقت رسائلي إليك وشوقي لك . فالشوق لك أثيث والحنين لك وافر وفرة الزمن نفسه.
كانت قد ركدت مياه البحيرة وظهرت على سطحها الطحالب، ثم جالت في السماء سحبٌ سود يعقبها سحب سود، مثقلة كأنها سمينة في شهرها التاسع وسوط البرق يسوقها وسط دروب السماء وأزقة الفضاء حتى بلغت مكمنها ونفذ صبرها وتعالت صرخاتها لتنهمر دموعا تتساقط و تُحرك المياه الراكدة معها وتُقيم القلوب المائلة وتبعث في الفؤاد روائح الشوق والحب والجمال .
الصدر كأرض مُقفرة تثور غضبا إذا وطئتها أقدام الهجر ولكنها تُضْحي بمقدم الحبِ روضا من الأنسِ وفنونا من السرور.
هذه حروفك عندما يقرأها ضمير المحب ورسم أناملك إذا خالطت بجمالها شغاف القلوب. ينتفض معها السنُّ في اليد ليسيل ينبوعه على ورقة بيضاء يحيلها سوداء وفاءً لك وإتماماً لوعدٍ قد مضى .
يقال أن القلب منغلق في طبيعته صامدٌ في تكوينه كالحائط الصامت لا ينقبه إلا إزميل الألم ولا يفتحه إلا مفتاح التوجع، وهذا كلامٌ قاصرٌ رماه قائله كسهم ضعيف من قوس هزيل فلم يتخطى حاجزه ولم يصل مبتغاه فاقتصر على الوقوع دون قصد المعنى وغاية المراد وإتمام الفائدة أمام شموخ شيخة السحر وعظمة ملكة الجمال وزعامة زعيمة الملاحة وسيادة سيدة الحسن وسمو عُمدة البهاء.
فما عهدت معك مفتاحا غير مفتاح السعادة الذي فتحتي به قلبي وزرعتيه أتراحا وأفراحا .
علِم الله صفاء ما في صدرك ونُبل ما يختلج قلبك فأجزل لك العطاء وعلى قدر النوايا تكون الأعطيات فألبسك هبة من عنده وزينك بجمال من خلقه فكانت يد الله أحسن الخالقين . منحك جمالاً يأخذُ منه الربيع فتخضرُ منه الأشجار وتورقُ الأغصان وتتفتق الأزهار. ويأخذُ منه الصيف ليَّمجَ نسمات عليلة على قلوبِ المحبين الهائمين وسط أعطاف الليل . ويأخذُ منه الخريفُ دنانيره الصفراء ويبذلها في سوق المحبين كمعاني ذهبية. ويأخذ منه الشتاء برده وعواصفه فتجعل الأحضان أكثر دفئاً والأجساد أكثر قربا والأنفاس متداخلة بدخانها الكثيف الذي يلف العاشقين تحت بياضه ويمنحهم ما يستحقونه من إخفاء عن الأعين و تغطية عن اللوم  وحجاب عن التقريع .
وكأنني بعين الخيال أرى الجمال يبكي حسرةً ويحترق كمدا ويلتهب أسىً ويضطرم شجىً ، فلو أنه خُير في خلْقِه لاختار أن يكون مكانك، فعندما ينظر إليك يرى فيك ما لم يبلُغه وعندما تنظرين إليه يرى في عينيك ما لن يبلُغه .
أنختُ ذات ليلة ما كنت أركبه بعد أن أعياني الشوق وأضناني الحنين وكَدَّني الهوى فجَثَمْتُ مكاني واتكأتُ على جذعٍ عريض تحفه الأشجار من كل صوب، وأفنانها متشابكة الأصابع كأنها تحرسني من ضوء القمر الخجول الذي تختلس أشعته من بين تلك الأفنان، فزارني طيفُك ووافاني خيالك وقَدِمت صورتك فتموجت الأشجار واضطربت الأوراق واهتزت الأغصان احتفاءً بمقدم ذاك الخيال وطرباً لحضور ذاك الطيف فأرواح الأشجار تعرِفُك وأرواح الأماكن تألفُك وأرواح الكون تعشقك .
ها أنت حبيبتي كما ملئتِ ثوبك حسنا وجمالا، قد ملئت قلبي حبا و ودادا. وكما يتمايل عطفك في ثوبه يتمايل قلبي بعشقه، وعلى أنغام أوتار جسدك يتراقص قلبي حباً وصبابة.
قد سبق بها ابن حزم الأندلسي وذكر مادة المغناطيس ومادة الحديد وكيف أنها يتجاذبان متحابان عاشقان فهي الأرواح المجندة المتآلفة . يُرسل قلبك الطري رسائل الأنوثة وإشارات الهيام ونداءات الكَلَفَ المجنون ويبثها حول مدارات الكون برائحة الزَّنْبَقُ وبشذا النسيم تبحث عن الشبه وتُنقب عن النظير  وتُفتشُ عن النِّد لعلها تجد الإلف والإلاف والخِل والخليل فقصدت قلبي بعد أن خبرته وأوقعت فيه وخزة وتركت فيه نُدبة، فتبعها ملبياً نداء الطبيعة واستدعاء سمو الأميرة وأملا في ابتغاء السكينة فهامت به فوق القفرِ لتَهبطَ به المخصبة . ثم أردتِ الهوى فأصبحتُ طالبك ثم نبشتِ قلبي فنضج الدم لتغمسي بذرتك النابتة في قلبي جذوراً من نارٍ لا تخمد تُشعلُ معها قبساً لا ينطفئ .
وكان لك من دون النساء أن سموت بمعانيك النبيلة حتى امْتَنَعتِ، وكان لباقي النساء أن سَفُلت بمعانيها الخسيسة حتى ابتذلت. كان لك من دون النساء أن التهمتُك بكل حواسي ولَذِذْتُ بك، وكان لباقي النساء أن تقيأتُهن من كل حواسي .
علوتِ سراجاً منيراً يُزاحمُ البدر وهُن انحططن بهيماً معتماً يزاحم الطين. لو علمْنَ كيف انتهيتِ لما رُفعت لهن راية ولما اصطففن أمامك في ساحة الحب وسيوفهن صدئه .
سكنتُ بكِ وسكنتِ إلي ، فأصبحنا كالقطعة الجامدة التي لا يدخلها شيءٌ إلا توقف حتى الزمن . نلعبُ ونفرحُ ونقفز وما إن نتثاءب حتى تطردين النعاس بقُبلة من ثغرك ، نضجر ونحزن ونجلسُ وما إن ننتبه حتى تجلبين اللذة برشفة من ريقك .
أتذكرين عندما احتفلَتْ الأجرام بمقدمك وتعانقتْ النجوم في تلك الصبيحة السارية. وانقسمتْ فيها روحي قسمين فكنتِ قسمه الثاني ، وعندها غضبَ القسمُ الأول وأراد اللحاق بك ولكنه حب الحياة ونداء البقاء. عندها أشرق نور المدينة من نور غرتك واستضاء، وانتفخ النهار في حمرة شمس خدك في الفضاء، ثم ظفِر ظُلمة شعرك وأعلن الانقضاء .
نحن أقوام نحيا بالدموع، كيف لا وهي قوت المُحبين الوالهين ، تتساقط لتبني الحياة وتنهمر لتسقي الروح، كالدرر لا يعقدها عقدٌ، ولا يحبسها خيط ، تنطلق حرة على ظاهر الخد لتقضي مهمتها وتُحرق ما بقى ونحيا .
أخاديد الخد شاهدة وينابيع العين نديه وما من دمعةٍ لهيبها يصلى إلا والحب منها يُروى . .
دمتِ بخير......

تلاطم دموع




جلسا بجانبي في الطائرة وكانا لم يبلغا الحُلم بعد، أخٌ حنونٌ وأُخته اللطيفة ، كان يطعمها ويتفقدها ويحرص على خدمتها واضحاكها، صغيرٌ كان بقلب أمٍ رحومة، صغيرة كانت بقلب معشوقةٍ جميلة،  لا يبتغي منها الكثير ولا القليل ، ولا المكافأة ولا العطاء ، ولا المدح ولا السخاء. أخ مع أخته وكأنه العاشق مع معشوقته في لحظة اجتماعهما خلسةٌ عن الأعين أو زوجان في شهر عسلهما،، صغيران كبيران.

عندها استوضَحت أمامي منارات الأخوة ، وتجلت لي معاني اللحمُ والدمُ الواحد، وبانت لي قوة حبل القرابة . كان الساعدَ المُعين، والعين المراقبة، وكانت الصدر الحنون و الفراش الدافئ الوفير.

الأخ وآهٍ من الأخ. ومَن غيري يعرف الأخ وفقده والحبيب وموته والعضيد واختفائه. جال فكري وانا بين السماء والأرض وسافرت ذاكرتي لتأتيني بصفحات من الحرمان لتقلبها أمامي لأقرأ فيها أسطر الألم وحروف الموت المنقطة بنقاط من دموع الكبد وجور الأيام و طعنات الزمان.

أخي الذي خطفته سِنارة الموت في طرفة عين ، أخي الذي سرقته مني يد المنون ، أخي الذي شاحت بوجهه عني رياحُ الحرمان. أخي وآهٍ منك أخي.  أخي ومن يفقه الأخَ إلا من أضاعه خلف سحب الموت السوداء.

أخي، بكيتك دما جفّ قلبي دماءه ، أخي بكيتك حسرة أحالت فؤادي جِلدا مدبوغا، أخي بكيتك و بكتك الليالي ظُلمة من غير بدر السماء، أخي بكيتك و بكتك السماء من غير لون ، أخي بكيتك وبكتك السحاب الثقال، أخي بكيتك وبكتك الأجنة في الأرحام ، أخي بكيتك واحترق الخد، أخي بكيتك وجفت البحار، أخب بكيتك وما سالت الأنهار.

أين روحك أخي ، أين أخي
واحر قلباه وا لهب عيناه.
ياسموات الرحمة أين أخي.
يا أراضي الطيب أين أخي.
يا كواكب ويا نجوم أين أخي.
يا حُراس السماء ،،،
يا بطاحي البيداء ،،، أين أخي

فقدته البيداء والصخور الصماء
فقدته الأشجار وفقده الجار.

سألني الصبح عنك ، واستفسر الضحى، وصاحت الظهيرةُ ليبكيك المساء،، ويحلف بالأيمان الغليظة بأن لا يرفع ثوبه حتى تعودَ شمسُك ويلمع سناء برقك. فهاهو هذا الأسودُ يلفُني بردائهِ ويُكفِنني بكفنه ويخنقني الحنين.

في القلب طعنه،،وفي الكبد طعنة،، وفي الفؤاد طعنة،، وفي الصدر طعنة،، وفي الظهر طعنة،، صُمتْ الاذان وفوقأت الأعين.

أتعلم أخي أن رقم هاتفك أصبح مع شخصٍ آخر ولم أفقده، بل اتصلت به واخبرته انني كنت أحدِثك عليه، فبكى وبكيت.

أتعلم أخي أنني زرت مكانك ووجدت غيرَك فأخبرته أنك كنت موجودا به، فبكى وبكيت.

أتعلم أخي أنني ارتديت ملابسك وأخبرتها أنك رحلت فبَكت وبكيتُ

أتعلم أخي أنني سألت فكري عنك فجلبك لي ، فبكى وبكيت.

لا أشد من الحرمان سوى حرمان ظلُك ، ولا أقسى من الوجد إلا عدم وجودك ، ولا أعتى من الفراق غير فراق بسمتك ..

واااهٍ لو أتحدث عن ذاك الثغر الباسم واللسان العطر والأعين الساحرة والقلب النظيف والفؤاد الصادق والفكر النيِّر والنيةِ الصافية لما وسعتني الأرض ورقاً والمطر حبراً

واهٍ أين أنت أخي.

احترقت واحترق ما بداخلي فأتتني مضيفة الطائرة بمنديل أجفف بها مقلةٌ ما فتئت تبكيك


.

رسائل الروح (الرسالة الأولى)



أتاني طيفُك سَحراً بأجنحةٍ بيضاء مستفسراً عني، ووجهه الوضاء عنوانه الشوق، ولهفته مُسطرةً بأحرف الاستغراب عن أي أرضٍ تُقلني وأي سماءٍ تُظلني؟ فعانقته عناق المُحب وودعته وداع الهائم ثم أخذتُ ظِلعاً من أظلُعي وغمسته في قلبي حتى ارتوى دما وكتبت أقول: 

ملني الكوكبُ ومللته، ناجيته حتى سئم، وناظرني حتى كرهني، أرميه استفسارا ، فيجلدني سكوتا. ومع هذا أرتدي ثوب عِشقك الفتان المُوشى بخيوط الجمال. ملني هذا الكوكب بعد أن أحالني قطعةً ثابتة أبدية الجمود، غائر العينين، لا أعي إلا شيئاً ينبثق منكِ، فأراها نسمةً سابحة أو طيفاً خفي أو صورة علقت في الدماغ فاستَمكَنت وكَنَّت.

أحسبني بعد أن قذفت بي قذائف الزمن، ورَست بي أمواجه بعيداً عن شواطئك ككتابِ حُبٍ قرأه صاحبه ثم مله فألقاه أرضاً، فلم تعد تقرأه العيون ولا تلمسه الأيادي ولا يقلب صفحاته العتيقة المبللة إلا نسائم الهواء أو حوافر الحيوان. ملني هذا الكوكب حبيبتي، فامسحي بكفك المُخضب هذا القلب، وأزيحي غمامة الحزن وأطفئي برُضابك هذا الحنين. 

تَنَكسُ راياتِ كل ذي راية، ويخبو ضياء كل منير، وتضيق الوسيعة وتغدو كعلبة كبريت تتزاحم فيه عيدانه ويُنغِص بعضها على الاخر حتى تشرق أنوار ثغرك البسام وتتدفق معها أنهار الحياة الحلوة والعش الهانئ وروائح البساتين المتفتحة قترتفع الراية زهواً وتضيء الأنوار فرحاً و تتسع الأرض طرباً.

سأخبركِ حبيبتي بأعاصير هوجاء قابلتُها وقابلتني، فنفضتني ثم اقتلعتني كشجيرة صغيرة لا جذور لها، تتلاعب بي كخرقة بالية حتى طرحتني أرضاً صلبة سُمِع دوي سقطتي كصخرة سقطت من علوٍ، و سَمعتُ معها صوتَ تهشم عضامي وكأنني قبضة قشٍ بداخل مَعصرة.
قد كنتُ أسيرَ الهوينا حبيبتي، أنظرُ عينيكِ، وأقبض كفيك، متغافلاً طعنة الأيام، وغير آبهٍ بحُفر الزمان، ولا في النفس ريبة. ولم أكن مع هذا جاهلا، ولكنه حجاب الحبِ أمام الأبصار، وغطاء الشوق على الفؤاد.

تآمر الحاكم الظالم والشرطي الحقود وأسلماني للسجّان الباغي وأدخلوني زنزانة الوحدة وجلدوني جلدا بسياط الانتقام، فأصبح ظهري طرقا وشوارع حمراء، ورجلَي كُراتاً متورمة. أرأيتي حبيبتي كيف يُمسَّكُ بالطفل الرضيع المريض ليُحشر الدواء بداخل فمه وكيف يصرخ ويبكي ويصيح وينوح ثم يبتلع الدواء على مضضٍ وكأنه السم الزعاف. هذا أنا وتلك حالتي مع لُقم الجفاء وطعم البعد عن اللقاء، ليعقبها كأس القطيعة وحميمُ الهجر لتلتهب أمعاء الوصلِ وتنكوي كبد العناق. ثم حكم القاضي بالعفو المشروط والأيمان الغِلاظ.

نسيَّ هؤلاء أن المُحب سقيم والعاشق مريض، والمَصلُ في وصلِكِ والدواء في دارك، فلا قضبان تمنع ولا سجَّان يُعيق ولاموت يَسُد، فلا حياة بيضاء فتُرتجى، ولاموتٌ قريب فيُبتغى. حُبك حبيبتي، لهفةٌ تصرخ بداخل العروق فيتردد صداها بين جنبات الروح باعثاً الأمل والسعادة في جسدٍ أنهكهُ الفراق وأهلكهُ البون وأثقل كاهله البُعاد.

سأُحدثك حبيبتي عما داخلي كما رأيته، وما يجول بصدري كما عاينته، وما يحوم حول قلبي كما لمسته. رأيت حبا كالنحل، نشيطٌ على الأزهار، يرتشفُ الرحيق ويُلاحق الألوان التي تشبه لون وجهك، ولون قلبك. عاينتُه كقصيدةِ شاعرٍ شعرت بشاعرها فنطقت به قبل أن ينطق بها. لَمِسته كدُرةٍ فاتنةٍ انطوى القلب عليها مُحتضناً فانبَثَ ضياؤها في أحشائه المُظلمة. 

أحببتكِ حتى أضعتُ نفسي فنشدُتها بين السماوات والأرض فوجدتها تطوف بمركز الكون ووجدتكِ أنتِ مركز الكون. حبيبتي، هاهو سربال الليل قد هبط و جفنا عينيَّ هبطتا معه وقد كنت أريد أن أخبرك عن ثغرك البسام وظلك الوارف ومُتنفسك الودود وصورتك القمرية ولكن سأودِعُها رسالة أخرى.



ِخِيْرَة







بالقرب من غرفةٍ أسرتها بيضاء، منعزلةٌ في نهاية الممر، مضاءة بأنوار خافتة، تحومُ في أركانها رائحة النظافة. كانت ساعات السحر المتأخر تعلن لحظات السكون القابض على الملل.

وحدي يلفني معطفي الأبيض الخانق لخصري النحيل مع تدلي سماعة الأذن المعلقة على رقبتي المندس رأسها بين نهدي النافرين وصوت حذائي المرتفع يقرع بداخلي نغمات الأنوثة الطاغية فأضرب بها الأرض لترتج معها بقية مفاتني.

منذ أُدخل للمستشفى وطيفه يعتصرُ مُخيلتي وكأنه لوحة وضاءة معلقةٌ أمام عيني. يبدو أنني ولجت به عالما آخر، هل هو عالم الحب الذي أسمع به؟ لن أكابر على زماني فقد جعلت مناوبتي ليلا لأجل رؤيته والسهرِ بجانبه، قلبي يسيرني وجسدي يجرني وابتسامته هي دليل قبوله.
هل سأدع قلبي يموت؟ لقد مت أنا منذ زمن وعادت روحي تحلق فوق تلك الغرفة وتدعوني لأرشف من كأسه لذة الخلود، إنني طبيبة! وتعلمت قراءة نبض القلوب، وسأعلم ما يدور في قلبه بالإضافة إلى أنه لا يختلف عن غيره من الرجال ولن يقوى على مبارزة مفاتن جسمي، وسيأخذني من يدي وسيصهل كالحصان ويقبل رقبتي وصدري ويلثم شفتيّ، وسيمنحني ما تاقت له نفسي، سأخرج سيفه من غمده وأغرسه في جسدي لتشهق روحه وأتلوى تحته كثعبان شارف على الموت.

منذ أصبحت أنثى مطلقة ونسيت طعم لذة الرجل الجامح وجُلّ اهتمامي بعملي، منكبة على كتبي وأبحاثي لأرتقي سلم الحياة ناسية أنوثتي تنهشها فئران الأيام. هجرني زوجي فهجرتُ جسدي وغفلتُ عن احتياجاتي المزروعة بداخلي حتى خبت شعلتها وانطفأت نيرانها وبَعُدَ قعرُ مائها. ثم أتت أعاصيره و قشعت الرماد فانكشف جمر مازال مُوقَدا مُشْعَلا فأشعلتْ معها روحاً قد غفت وأنوثةً قرصها برد الشتاء فجعل أطرافها متجمدة بلا إحساس.
سار بي جسدي نحو غرفته مؤكدا لي أنني سأفوز منه ببسمة أو لمسه أو معانقة.

لم أكن مدركة شدة افتتاني بقوة عضلاته وجمال ثغره وتوقد رجولته التي أذاعتها عينيه إلا بعدما عدت لبيتي و ارتمى جسدي على سريري وغشيتني نيران أنوثتي فأيقظتْ معها جموحي الظامئُ للحب والحنان معلنة سيلاناً قد غفلت عنه.

مازال صدري مكتنزاً وخصري ناحلاً لم يأت حملاً ولم تمر به آلآم الولادة والطلق.

سِرُ جسد المرأة لا يعرفه إلا من ذاق حرارة الحرمان من بعد نعماءَ مسته، سِرٌ غامضٌ أُودِع ولا نعلم متى تنفتح قنينته لتملأ الكون نارا تحصدُ ما يقابلها من جفاف فلا شيء قادرٌ على إخماده إلا بداخل تلك الغرفة.
سأتأكد من تبرجي وسأدخل عليه عرينه كلبؤةٍ فتك بها الجوع، وأحطمُ غُروره بلهفةِ أنوثتي ورائحةَ جسدي وبياض ساعديَّ وعنقي ولن أجعل له طريقا للفرار، سأسمح لشيطاني أن يتحدث عني ويخبره عن مجوني ورغباتي ووحدتي وخلاء الممر من الخوف.
رمقته بنظرةٍ وسألتُه عن حاله ووضعتُ كفي على كفه الأيسر وضغطت بإبهامي حتى احمرّ على وريده وأخبرته عن نبضه وكذلك أخبرت قلبي. يا لحرارةِ جسده الفتي ودفئِ نظراتِه وبهاءِ وجهه وانهزامِ صوتُه، أأصابته سِهامي أم أنه يعاني حرمانا أشد من حرماني؟
في عينيه علامات الانهزام وفي جسده آثار الاسترخاء وصوته تحشرج واغتص به. لم يدر في خلدي أن أهزمه من أول جولة! كيف لا وهاهي رايته البيضاء ترتفع معلنة استعداده.

داخلني الخوف ولا أعلم من أين أتى! بحثت عن شيطاني صرخت أناديه يا له من جبان لقد خاب ظني في نفسي عند لحظة انتشاء جسده. وسْوَسْتُ في أذني بأن الاستعجالَ غير مُجدٍ ودائماً الطبخةُ تكون أشهى إن كانت على نارٍ باردة. انسللت من عنده بعد أن أخبرته أنني سأزوره في آخر ساعة من ليل غد لأطمئن على صحته. 

مرت الساعات ثقيلة كأنها أجساد الفيلة تدك على صدري بأقدام الأرق والتفكيرِ في لحظة العناق، هل سأكون تحته سعيدة؟ هل هو قادر على تسديد ديون الليالي العجاف؟ هل سيترك آثار أسنانه تحت أذني؟ هل سيصيبني بالتورم في صدري؟  أسئلة كثيرة تعصف بأنثى متقدة ترتجي النوم الحقير.

اغتسلت وأزلتُ بضع شعراتٍ بزغت من مناطق عفتي وصففت جدائلي وتجملت، سكبتُ ما تحويه أدراجي من عطوراتٍ تُذيبُ الحجر برائحتها الفواحة. وصلتُ لذات الممر ولهفتي تسبقُني وخلعتُ ملابسي الصغيرة التي لا أحتاج إليها وارتديتُ معطفي الأبيض وسارت بي أقدامي تسابق الوقت والممرُ شاهدا على غنجي وفرحتي وكأنه يريد أن ينطبق ليحتضنني ويفوز بجسدي ويهدأ من تموجات أردافي.

طرقتُ البابَ ولم أنتظر الإجابة، فها هو أمامي واقفٌ في أشد عنفوانه يتهيأ لبدأ معركةٍ مع أنثى أتته طائعة لتذيقه جسدها الساخن على طبقٍ من الرغبة والرضوخ. سآتيه من خلفِه لأحضن هذا الجسد المثير، أُدخل ذراعي من تحتِ إبطيه وأضمه لصدري واستنشق رائحة فحولته العبقة، أمسكتُ صدرَه فاشتعلتْ نيراني وسالت أنهاري وأسندت أذني بين كتفيه لأشعر به يصدني و يقول: ( إني أخاف الله رب العالمين).

اسلاميون والنقيض.




حُشِر في أذهاننا في الماضي القريب بأنهم قُساةُ قلوب، سفهاء لسانٍ، غلاظ تعامل، أعينهم الشرر، وأنوفهم الجوزاء، يتقلدون الغرور ويلبسون الكبرياء ويتسربلون الغطرسة. وهْمٌ فوق وهم ، وكَذِبٌ كُذِبَ علينا، افتراءُ المفتري واختلاقٌ على الخلق. 

رجل الدين يجافي النظافة ويحارب الأدب والحُسن والجمال و يقف كالجدار المنيع أمام جحافل الحرية ومعه عصى من حديد تحت إبطه. 

رجل الدين عملاق طويل عريض ، كفه مرزبه وذراعه جذع نخله. 

رجل الدين ، قلبٌ أسود وفؤاد ضيق، كأنما يصّعد في السماء. 

حرب ضروس أطلقها أعداء الإسلام ليتلقفها أصدقاء أعداء الإسلام وينمونها في أحضانهم ليذْرُوها في أعين المجتمع الغافل على قنوات ماجنة وصحف فاسقة، بعد أن مهدوا لها قلوباً فارغة وصدوراً خاوية إلا من رقص عارٍ وخليلةٍ شقراء وكأسٍ كُمَيْتَ اللون. 

وعلى الشط الآخر أجلسوا من في عُرفِهم ( مثقفٌ وكاتب وأديب حُر ) على كرسيٍ من الأدب الجم والطهارة العفيفة والتهذيب الممزوج بالرزانة واللياقة وكأنه سهيلٌ جالساً أو زُحلُ متواضعاً وهو من هذا كله براء ولكنها انتكاس الفطرة ورؤية الأشياء على غير حقيقتها. فهؤلاء لا يعرفون من الثقافة غير اسمها ومن الأدب غير رسمه. 

ثم جاءت الطامة ووقعت الواقعة وحلّ طوفان العلم وأمواج التقنية الحديثة كالجبال الرواسي تُزمجر وتهدد وتتوعد فابتلعت الخزعبلات وغسلت الأوهام و أبانت لنا أرضا ما كنا نعهدها و نورا ما كنا نراه. 

هبت رياح التقنية على الأغصان المتشابكة ، تكسرُ ما اهترأ منها ، وتُسقطُ المتهالك وتُبقي القوي الصحيح.  فإذا من غدا جالسا على الكرسي المنمق راح متمرغا في الوحل والطين مكشوف العورة، يتخبطُ لا تقع قدمه إلا في هاوية ولا يتكأ إلا على واهنة. غابت شمسُ  حلو الكلام من خلف الستر وانزاحت حجب المواراة والدجل ، فانكشف لنا وجهٌ مشوهٌ ولسان مُستَهْجَن وحِسٌ تُرابي وجسدٌ تغطيه الأوضار، فبذأته العيون وسمجته الأذان وعافه العقلُ الفطين، هم الكلاب العاوية والسباع الضارية والعقارب اللسّاعة. وما زالوا بعُنجهانيتهم يُكابرون وبفضائحهم يُجاهرون مع حُبهم للثناء وفُحشهم في الذمِ والهِجاء. 
القطُ يسترُ بالترابِ ما يخرج منه وهؤلاء يظهرونه ويُفاخرن به ، بئس المورد وردوا وبئس المنطق نطقوا. 

اقتضبَ همَّهُ في لذته فأسهب فِكره في رغبته، فركب المنابر الهشة - وما أكثرها - ينادي لإرضاء نفسه وإشباع شهوته وإشعال شعلة الفتنة ليحفرَ لحْد الدين ويدفنه بعد أن قبض الثمن وأخذ الكِراء وتغافل أن الله متمٌ نوره. 

أعموا بصائرنا بعييهم، وما العيّ إلا نتاج الجهلِ، بقلوبٍ مقلوبة كالكؤوس المنكوسة ممزوجة بمرضٍ فزادهمُ الله مرضا. قلوبٌ أُشربت الغِل والحِقد والحسد والشح وحب الدنيا والرئاسة، وما ذاك إلا من سوء طينتهم وغالب هواهم وغَضْبة نفوسهم وقوة شهوتهم. يحملون كُراتاً فوق الأكتاف جعلت حاملها أبله أخْرق أهْوَج ألْكَع أنْدَخ أنْوَك أهْوَك أوْكَع. وَرَدُوا على حممِ الغواية يحسبونها ينبوع الهداية فزَرطوا روايات الخِسَّة وقصص العشق وحروف الفلاسفة بلا مضغٍ ولا شِربة ماء، فاغتصوا بها وحالهم كحالِ الحمارِ الذي ذهب يطلبُ قرنين فعاد بلا أذنين. 
جمعوا عيَّ (باقل) وحُمقَ (هبنقه) وبُخل ( مادر) وجهالة ( توما) ، فبربك ماذا سيخرج من جوف هؤلاء؟ إلا الجهل ودناءة الخُلق. وما الترفعُ بالباطلِ إلا ضَعَه، وهم جاؤوا إلى خرقةٍ بالية فرقعوها وإلى حرامٍ فحللوه وإلى خبيثٍ فارتكبوه وإلى قبيحٍ فجَملوه. 

أما الرجل المتهم كذبا بسلاطة اللسان وقساوة القلب وغباء الفكر فرأيناه بعد طوفان الحقيقة ورياح الحق طليق اللسان ، رقيق القلب، سريع البديهة، بديع المحيا، ساحر البيان، وجهه السماح، وكفه العطاء. 

انزاحت غمامة الغباء، وتكشّفت منازل التعساء وأيضا السعداء. فإذا المتسلطُ - وما هو بمتسلط - بصاحبِ نكته وظُرفه مع فائدة ومُتعة وإذا بالظالم - وما هو بظالم - يتألم لآلآم الأمة وآلام شباب الأمة. وجدناهم يرعون الأيتام ويوزعون الصدقات ويُحَفِظون القران ويدعون الفتيات ويسترون الزلات ويُقومون العثرات. وجدناهم في سوريا يتبرعون، وفي الصومال يدْعون، وفي بورما يُدافعون، وفي كشمير يتصدقون، وفي موسكو يحاورون، وفي فلسطين يجاهدون. قدوتهم خيرُ خلقِ الله، المُعلم الأول والنبي الأمي القُرشي. يُنْعَتون بالمتشددين وبالطبقة القديمة وبالرعيل المجهول وبالمقلدين وبالجُهال. نعم فهم متشددون على أعراض المؤمنات و حُرمات الله، قديمون يستمدون نهجهم من رسول الله، مجهولون عند الإعلام الهابط والنفوس المتسخة فقط، مقلدون لخير القرون بعد قرنِ نبي الله، جهلة بالفسادِ والزنا والخنا والربا. 

رأينا فيهم صافي الفكرة ومعتدل الطباع وصحيح الفطرة وواسع اللغة وبديع المأخذ ولطيف الكناية مع الشجاعة والضيافةِ والفطنةِ والخطابة والأنفةِ والإخلاص والوفاءِ والبذلِ والسخاء. فجمعوا كرم (حاتم) و ذكاء ( إياس) وحِكمة (الأحنف) وبيان (الحجاج). 

وفي إطلاق الأمر شر والناس ليسوا سواء ولكنها زفرة خرجت، عمادُها الحق وأطنابها الصدق وخِباؤها الغَيرة، فلعلها تجد أذنا صاغية أو صدراً حانيا. 





مؤامرة تأنيث الأسواق






كثر ترديد لفظة ( المرأة ) في الأيام الأخيرة حتى أصبحت نقطة ارتكاز الكون. ولكل متحدثٍ نظرته التي يقصد من خلالها الوصول لهدف رسمه لنفسه.

السؤال: كيف لمجتمع إسلامي محافظ أن يسمح لرجل أجنبي بأن يبيع الملابس الداخلية للنساء؟

بهذا السؤال أعزائي بدأت حملة شعواء لتأنيث العمل في الأسواق، فضرب على وتر الرجولة وأثيرت به الكرامة. ولكن هل وراء الأكمة ما وراءها؟
سأترك الإجابة الآن؟
وأتساءل هل في عمل المرأة في الأسواق تكريما لها كما يذاع أم امتهان لكرامتها وأنوثتها؟

الموضوع أكبر من أن يجاب عليه دون النظر لأكثر من جانب؟
إذا كانت النظرة المادية هي العنصر الأساسي فالإحصائيات تثبت عكس ما نأمل، وخاصة أنها تقول بأنه خلال السنة الأخيرة زادت نسبة عمل المرأة وقلت نسبة أجورهن إلى متوسط يبلغ 2613 ريال، فهل في هذا الأجر تكريما لها؟

وبالنظر للجانب الإجتماعي فالصحف والمحاكم مليئة بجرائم التحرش والإغتصاب والتعدي على الأعراض. فقد استغلت وزارة العمل حاجة الفتاة المسكينة مع العزف على موال الفقر والحاجة بعد أن مورست ضغوطات العطالة لحاملة الشهادة ثم أقنعوها أن هذا هو الطريق الوحيد والحل الأمثل.

هل هناك عقود عمل قانونية بين الفتاة وبين صاحب العمل يكفل حقوقها كاملة؟ أم أن مديرها يخصم من أجرها متى شاء وكيفما شاء؟

أعزائي، كلنا نريد للفتاة الخير ونرغب في أن يكون لها عمل تقتات منه في هذا الزمن الصعيب، ولكن ليكن في بيئة آمنة شريفة طاهرة تعلي مكانتها وترتقي بنفسها.
عمل المرأة الحالي يَكلمُ القلوب الغيورة ويؤذي النفوس الطاهرة وتحتالمجهر نراها تنفيذ لأجندة خارجية واتفاقيات دولية لإخراج المرأة من خدرها فقط.

دعاة تغريب المرأة يعملون بإحترافية وبإتقان ممنهج ويزرعون في قلوب الفتيات بذور الشك في المعتقد والأخلاق ونزع الثقة في النفس لتكن كالصلصال يشكل كيفما شاؤوا. قانونهم نحافظ على المشترية بتدمير البائعة، إذ كانت تختلط بالأجنبي (عشر دقائق) فأضحت تختلط به (ثماني عشرة) ساعة وهي ساعات العمل. فإن كانوا صادقين في دعواهم فلمَ لم يقتصروا على محلات العطور والمكياج والملابس الداخلية ولمَ لم يؤنثوا إلا المجمعات الكبيرة فقط؟ لماذا تؤخذ الفتاة من بيتها لتمارس العمل فورا من غير تدريب وتأهيل بأبسط أبجديات المهنة؟ فبائعة العطور جاهلة به وكذلك بائعة المكياج وغيرها. لماذا لا يؤمن لها وسائل المواصلات اللائقة التي تكفل لها راحتها كمثيلتها الأجنبية؟ ألسنا نرى حافلات النقل المخصصة لنقل الممرضات الأجنبيات من مكان إقامتهن إلى مقار عملهن؟ فلماذا فتياتنا يمنعن منها؟

المرأة السعودية لها خصوصيتها ( إلا من أبت ) فاجعلوا لها ضوابط للعمل وتنظيم جيد يليق بها. فوزارة العمل طبقت القرارات من دون أية دراسة له ونظرا في احتياجاته.
تأكد أيا حاملا ( للشنب الكبير ) أن ابنتك واختك العاملة ليست بمنأى عن تحرش الرجال وأعين المارة وأنها تخضع لقانون وزارة العمل الذي يقول كلما زادت فتنتها وتبرجها كلما ارتفع اجرها ونالت أعلى المناصب.

أنا لا أتحدث هنا عن النوايا بل شيئا شاهدته ولمسته وأصبح ظاهرة واضحة جلية.
وأخيرا، هناك سؤال يتردد، لماذا هذا التوظيف السريع للمرأة مع غظ البصر تماما عن أخيها الشاب؟ أليس من الأولى توظيفه فهو المسؤول الأول والقائم بشؤون المرأة؟

وكأني أرى نتيجة هذا التخبط المتعمد بعد عشرين سنة والشباب على قارعة الطريق وفي المقاهي يتعاطون المخدرات وإبر الهيروين والفتاة تعمل نهارا في الأسواق وليلا في أماكن الدعارة لتعول نفسها وأخيها.

أعزائي من بادره ذرة شك فيما كتبت فعليه بالتوجه إلى (سيتي ماكس) الدور الأرضي مركز سماح سنتر وليبحث عن إجابة لسؤالي الذي طرحته في بداية مقالي هذا.



المقال الأصلي
http://www.jblnews.com/articles.php?action=show&id=36