زفرة عربي.




فرّ الأكسجين وولى وأدبر، وأضحينا كائنات لا تستنشق ولا تتذوق. افتقدنا البضاعة الأصيلة والفرس الأصيل والبائع الأمين والسوق النظيفة والعذرُ أن الزمان أراد هذا والقدر أصابنا بما لا نقوى رده.
نلجُ سوق الإعلام المرئي فنرى الهزيل والضعيف والعوراء والعرجاء وهذا مُستنكر ولكن الأشد نكراً أن الهزيل يرى في نفسه البدانة، والضعيف الشدة، والعوراء زرقاء اليمامة، والعرجاء تُسابق الشنفري، فأضحى الرائي مُرائياً، والشاشة هَشاشة. فيُراودني لماذا يُقدَّم السُّم مع وجود الشفاء، والآسن مع توافر العذب، والنتن عن المستطاب. ثم وزيادة عليه ها هي تلك الموائد عامرة، وبالزوار مزدحمة، والطرقات إليها تعج بالرائح والغادي.
وذات الكلام عن المقروء والمسموع فقلما تجد كاتباً يُتقن ما كتب، أو مذيعاً يعرف بما نطق. تقع عيناي على صفحات الصحف فأدهشُ من بعض ما كُتب فيها ويوصفُ «بالجزالة» فإذا به «سخافة» وأُقلبُ عن «الحصافة» فأجد «الجهالة» وما هذا إلا من أساليب ابتدعوها ومصطلحات ابتكروها، فتصرخ واسيبويهاه واجاحظاه.. وأتنقل بين محطات الإذاعة فلا أسمع إلا صراخاً في مسابقات سخيفة وضجيجاً في برامج بلا محتوى فهذا يتغزل في تلك وتلك تتغنج لذاك.
كنتُ مبهوراً بقامات أيامَ الظلام التقني والانكفاء على حدود القرية وقبل أن تنكشف السماء وينقشع الغمام، فانكشفوا في عصر النور وشبكات التواصل فرأيتهم يهرفون ويهذرون، إن ناقشت أحدهم استكبر وأبى، وإن أخبرته ولى وعصا، كأنه كوكبٌ في السماء لا يقرب الأرض ويتنزه عن تربتها. وآخر له حروف جميلة ونُمْرُقة مزخرفة في الصحافة، فإذا أنشأ وَشَى وإذا عبَّر حبَّر، ولما زرته عند «تغريداته» فإذا العلقمُ يُصب صبا، والمُر يُسكب سكبا، فالهاء عنده تاء، والقطع في مذهبه وصل. وهذا يدل على أن خلف السُّتر ما خلفها، فالأقلام تتناوب والأوراق تتبادل ومرة تُمسكُ لي ومرة أقطعُ لك.
لستُ هنا لأُحلل وأنقد وأَميز الخبيث من الطيب فما هي تجارتي ولا أملك المال لأقتنيها، ولكن السيل بلغ الزبى، وزفرة بالصدر ضاق بها المكان. ولهذا فقد أُعيدُ الأمر لبعض الأسباب وليس جُلها، فمنها أن بين ظهرانَينا عظماء أدباء ومثقفين، أنوفهم أنفت الرائحة وأقلامهم أبت أن يسيل حبرها على صفحات كهذه فتنحوا وخلت الساحة للمتسلقين. فأدعوهم للعودة لنجدة العربية من أهل العربية. فإن صلصلت سيوفُ الكبار خرست طبول الجبناء، والبُغاثُ أبدا لا يستنسر. هذا بالإضافة إلى أننا ما زلنا في حاجة للتعلم والتعلم والتعلم فلا نقتحم مكاناً إلا عن دراية ولا نركب صعباً إلا عن تسلح وشجاعة، ومن المفيد النافع الاطلاع على أعمال من سبقونا، ففي كل عِلم رأسٌ ولكل جبل هامة، فخذ منه وانتفع، وارتق بوعيك وارتفع. نرسمُ لأنفسنا خطا يميزنا وهدفا نرجو بلوغه، بلا تقليد ومحاكاة بل تجديد برائحة السالف وتحديث بعبق الماضي.
لن نعيد زمن الرسالة والثقافة العربية والفكر المعاصر والمنار والعربي واقرأ أو نُنتج مثل المناهل ومدينة القواعد والحروف والعلم والإيمان ولكن نستطيع أن نقرأ ونشاهد ونسمع أفضل منها إن وجد الإخلاص التقي والهدف الأسمى والتفاني المُثمر والاحتساب لقابض السماء والأرض، لعل قلما يبرز فيجندل الخصوم ويسحق الأعداء ويحطم الأصنام أو لسانا ينادي بانتصار الحق وزهوق الباطل وهلاكه، وما ذاك على الله بعزيز.


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٢٦) صفحة (١١) بتاريخ
 (١٧-٠٦-٢٠١٤)


0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك