رسالة إلى وزيرنا الطريفي





إلى وزير الإعلام "عادل الطريفي" :

لا أخفيك فأنا عيِيٌّ في سبك سبائك التهاني والمُباركات، وفي تقليد قلائد المدح والثناء السابقةِ لأوانها، فمنك العذر فهذا جُهد المُقل، فلا في الصمتِ نقصٌ لكامل، ولا في الثناء زيادة لناقص، فخذها حوراء حنونة، ناصعة مُشرقة كفلقِ الصبحِ الوضّاح وكعين الشمس لا يسترها غربال.
كما لا أخفيك أنّي قد زورت حديثا في نفسي ثم آثرت محوه عن نشره، وجعلته تحت الصفيح لسذاجته وسقْطه، ولعلمي أنك عليمٌ بما قد كنتُ أضمرت، فمن مثلبةِ الكمال ترديد ما قيل وتكرار ما أصداؤه تُتناولُ من فمٍ إلى أذن مع تعاقب الساعات والأيام.
ما أرانا نقول إلا مُعارا                         أو معادا من لفظنا مكرورا .
فذاك السترُ وهنا الإبانة، فصحافتُنا عليلة، فرائصها ترتعشُ آناء الليل، وريقها يجفُّ في الغدو والأصيل، شفاهنا مُغلقة، عليها حرسٌ وحُفَّاظ، يسمحون وينزعون، عقولنا تُضرب بالسياط وتُنَصَّبُ في دهاليز الظلام، أقلامنا مكسورة وأوراقنا مُجدِبة، والطُرق حصباؤها الجمر تُفضي إلى خَلاء.
يتنادى القوم بسقف الحرية الصحفية بأحاديث نسمعها أحلاما ما بين هاجعٍ وهاجد، نطردها سرابا ما بين لاهثٍ وناصِب، شعارات تُرفع مُخرَّقة بِخرقِ التزييف والخديعة.
لك أنتَ أن تستحيل بها رايةً خفاقة، ودروبا سوية متزنة، عالية عن السفسفة والسفسطة، بل نقية نقَّادة بنّاءة، لك أنت أن تسمح للحق بمزاحمة الباطل وللباطل بمناكفة الحق، دعها حلبةً أدبية فكرية، كلٌ يُدلي بدلوه ويضربُ بقدحه، من مُنطلقٍ إنساني واحترامٍ ذاتي وكشفا لما في الفكرة من نور، من غير تجريح لشخص أو سبٍ لذات بل بيانا يسمو بالذائقة ومعنى تتحرك به العقول، اجعلها ميدانا تُجندلُ الفكرةُ الفكرة، ويُسقطُ الحرفُ الحرفَ.
فَكُن من الناس كالميزان معتدلاً       ولا تقولن ذا عمي وذا خالي .
مجتمعنا زاخرٌ كالبحرِ في أعماقه، أقلامٌ فيَّاضة، عقول وضَّاحة، ألسنٌ سوية، أقعدها الرقيبُ، وعقَد أجنحتها التأويل، وطوى أقدامها الحذرُ والتحليل.
عبقرية الحرفِ لا تكون في رسمِ الطريق للأفكار، وتقريرِ حدودها بالحدود، بل في إرسالها على وحدةٍ من التسديد تستقر به في النفوس البشرية، فضاءُ القلمِ فضاء، وسماؤه سماء، لا تحده إلا حدود النَّيِل والتقريع، فاجعله في عهدك يسمو ويُحلق، ويعلو ويُنافس، ويجولُ ويناقش، إن كّتب فاللؤلؤ وإن محا فالحكمة. القلمُ المبين يكون للصحيفة منارةً لا مصباحا، ودُرة لا خرزة، وتاجا على ناصيتها لا حذاء تسير به. فنصف التمويه رذيلة والنصف الآخر نقيصة.

وفقك الله للخير.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك