رسن العقول ..






حنا معكْ في شرْ ولا في قِدا ،،، معكْ معكْ ولو فيها ازهدي،،
أحرفٌ مُزجت، وكلمات صُفَّت، يُمكن من خلالها إدراك حقيقة الشحنة الإنسانية الذليلة. ألفاظ لُطِّخت، وأقوال بُعثِرت، يُدرك من خلالها إمكانية إذلال الإنسان للإنسان بالعبودية. هي بيت من قصيدةٍ تكشف عن حالِ من نظمها بكل جلاء وبيان، زُخرفتْ بلحن جميل حلّقَ بها بين قنوات شعبية لترددها الألسن ويتراقص على نغماتها قلبٌ فارغ وفؤاد لا يعيي ما يسمع.
من مشكلاتنا أحيانا أن نتبرأ من ملكات العقل البشري لنتقبل وبكل جهالة لسان الببغاء المُقلد. وكأن عملية التفكير عملية رياضية صعبة المراس، مُنهِكة القوى، سالبة رأس المال، مُنحِلة للجسد، تُعيبُ من يُعمِلها، وتُسودُ من يُهمِلها.
خلف السُتر جهلٌ مُركب، ووراء الكلمات معاني خفية، يقبع المعنى منها على قواعد هشة ويقوم على منابر من سراب. مالا يقوى على قوله قائل تلك المقولة أنه إنسان، إنسان له الخيار، إنسان يملك حرية نفسه. حباه الله عقلا فعطله باختياره وسلم قيده لغيره فما عاد يقوى التمييز بين صالح أمره وطالحه، وخير عمله وشره. بل هو إعلان مبطن بمدى فداحة ضعفه في اتخاذ قرار، وكِبر احتقاره لذاته، فذاته المسلوبة في سماء الفكر هي وباعترافه كقطيعٍ لا يملك اختيار منطقة رعيه فالأمر دوما يعود لمشيئة الراعي.
ليست بشهامة بقدر ما فيها من خنوع، وليست بشجاعة بقدر ما ترفلُ في وحل الاستعباد، وليست بسمو بقدر ما هي بِركة راكدة لحشرات الكون لا يحركها إلا صخرة تُلقى. فقد تساوت كفتا ميزان الخير والشر فلا عقل ولا شرع يُعولُ عليهما لترجيح إحداهما عن الأخرى سوى قرار من بيده الرسن.
متى نتعلم ألا نقول إلا ما نريد، فقد ضجر الكون كذبا، ومل القلمُ زيفا، وضاق الورق خداعا، وكأن الصدق جُدري والحق فيروس مُعدي. لسنا مضطرين للخداع حتى نبقى على قيد الحياة، ولن نُدفن ونحن أحياء. أجزم أنها العادة الجاهلية والانقياد الأبله للقبلية التي هي ذاتها من جعلت شاعر الجاهلية دُريد بن الصمة يقول في ذات المعنى:
وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إن غوت ............. غويت، وإن ترشد غُزَيَّةُ أرشد،

قاموا فقمْت، سكنوا فسكنْت، زمجروا فزمجرْت، صمتوا فصمَتْ، زجاج مطحون في عَظمك، وفراغٌ مضغوط في رأسك، وهذا دليل قطعي واضح الدلالة على عدم وجود هوان أهون من هذا الهوان.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك