فرّ الأكسجين وولى وأدبر، وأضحينا كائنات لا
تستنشق ولا تتذوق. افتقدنا البضاعة الأصيلة والفرس الأصيل والبائع الأمين والسوق
النظيفة والعذرُ أن الزمان أراد هذا والقدر أصابنا بما لا نقوى رده.
نلجُ سوق الإعلام المرئي فنرى الهزيل والضعيف والعوراء والعرجاء وهذا
مُستنكر ولكن الأشد نكراً أن الهزيل يرى في نفسه البدانة، والضعيف الشدة، والعوراء
زرقاء اليمامة، والعرجاء تُسابق الشنفري، فأضحى الرائي مُرائياً، والشاشة هَشاشة.
فيُراودني لماذا يُقدَّم السُّم مع وجود الشفاء، والآسن مع توافر العذب، والنتن عن
المستطاب. ثم وزيادة عليه ها هي تلك الموائد عامرة، وبالزوار مزدحمة، والطرقات
إليها تعج بالرائح والغادي.
وذات...
عشرينيات العشرين
سألني ذات مرة (عشيري) عن ماذا لو عادت بي
عجلة الزمان وغاصت بي سراديب السنين والدهور والأيام ففي أي عصرٍ أريدها أن تقف
وفي أي مكان أود أن أختار؟
فقلت له بلا تردد فالحلمُ كان في رأسي قد عشعش، والأماني في
صدري مستوطنة وما جرى على لسانه معي كان يجيش في خاطري منذ زمان!
أجبته والحسرة على محياي، هي القاهرة ساحرة عقلي وعينيّ، وفي
العشرينيات من القرن العشرين غاية منتهاي. فالقاهرة للأعادي قاهرة والنيل هو:
النِّيلُ العَذْبُ هو الكوْثرْ والجنةُ شاطئه الأخضرْ
ريَّانُ الصَّفحةِ والمنظرْ ما أبهى الخلدَ وما أنضرْ !
فسرح خاطري وجال، فإذا أنا في شقة العقاد، استنشق الغبار وأتصفح
كتبه وأتقلب داخل مكتبته...
الزلايب المُستضبعة .
.jpg)
أسوقُ العذر مُقدَماً، وأجتلبُ العفو
مُعظِماً، القراء الأفاضل والأخوة الأكارم، لِعنوانٍ مُهلْهلاً كتبته، وأحرفٍ
عامية نسختها تَقَدمت مقالي، ولكن عسى أن تجدوا لي بين طيات عفوكم صفحاً وفي
شمائلكم حلماً وصبراً. فأنا ثائر مُغاضب لا غير.
من أسوء ما تراه في بني جنسنا ما أسميته ( ذو
الدّجلتين )، دجَّالون عياناً، دجَّالون إضماراً، يتسلقون الأسوار ويقفزون الدور،
بِخُبثِ سريرة وسفالة هيئة، يُحاك في صدورهم الإثم والعدوان بعد أن رضعوا ألبان
الثعالب وربوا جحور الأفاعي، طلقوا الإنسانية طلاقاً بائناً والتحفوا الشعر والصوف
كقطة تلتصق بك ثم تخدشك وتصيبك بالمرض. جمعوا بين خصلتين أحلاهما العلقم، فإلى
نفسه...
تسوييد بلا تبييض.

في شهر فبراير من العام الماضي دوت أصداء صحفنا المحلية
ومجتمعنا بأحداثِ تهمة الفساد والرشوة والغش التي نُسبت إلى منسوبي إدارة التربية
والتعليم في منطقة حائل متمثلة في رئيسها والقابع على قمة هرمها يومئذ الأستاذ:
حمد العمران.
وقبل الخوض فالمسلمُ ليس من أخلاقه الشماتة بأحد ولا
الاستهزاء بأخ و لا التهكم بظالم أو مظلوم ولا الفرح بمصيبة تقع أو تهمة تُدفع.
هذا إلا أن المجتمع – أي مجتمع – فيه من التفاضل والتباين في الأقدار والأرزاق
والقامات والسمات والأخلاق فهناك الشريف والصادق والخائن والكاذب. وكلنا يجمعنا
مسكنٌ واحد ووطن أُم نقفُ عليه وقفة الأمانة وموقف الإخلاص ونعتنق الشرف وننبذ
اللُؤم فهذا...
انطلق من داخلك.

يربض على القلوب جاثوم الذل، ويستحوذ على التفكير مبدأ
التشاؤم من سحابة أظلت بضلالها على أركان حياتنا وجنبات دنيانا حتى أصبحت حالة
مرضية مستعصية العلاج حلت في القلوب وأنشبت أظفارها كشوكٍ انغرس في لفيفة قطن فإن
أنت تركتها وخزت وإن أنت نزعتها مزقت. فتنظر لمن حولك فلا تجد كفاً يحمل شعلة
التفاؤل أو قلبا أُشرب بإيمان الرضا.
هي نارٌ موجودة ولهيبها محسوس ودخانها متصاعد ولكن لن
يُطفئها تعنيف، ولن يُخمدها عتب، ولن يهمدها توبيخ. فإن لم تحمل الماء ولو في كفك
فستصلاك تلك النار وتُحرق جلدك وتخنُق أنفاسك .
في مجتمعنا لن تجلس في مجلسٍ أو تقعد في مقعدٍ إلا وتسمع
مُنتحباً ينتحب. و مُتأوهاً يتأوه، وشاهقاً...