نهاية عزيز.

القمر يُزيحُ السحاب بيديه كيتيمةٍ  تتبدى خجلا من خلفِ ستار، ، ليظهَر من بين فُرَجِ الغمام، حزينا شاحبا لذهابِ عزٍ وجلاء مُلك. يُرسلُ تعازيهُ أشعةً متكسرة يواسي بها أنين الأرض ويمسح دموع الأشجار والأحجار. تلك الأرضُ التي تزينت عشرات السنين بأطواق النعيم وتراقصت أعطافها طرباً تحت مُزن أنوار العلم والحضارة واليُسر والرخاء. هي إشبيلية الفاتنة الغانية، استغنت بأنهارها وحدائقها ومُعتمدها واعتمادها عن حُلي الأرض وزينة السماء. مُعتمدها هذا زادها بهاءً ومَلاحة وزيَّنها بسرير حكمٍ ودواوين علم، فكان هو الشاعر العالم، الأديب الفحل، العاشق المتيم. أحلَّ جوهرته (اعتماد) في قلبه، وحلّت اعتماد بِاسمها...

عدسةٌ مُكبرة

في ذلك الجو المشحون بشحنات البرق وهزيم الرعد وزعزعة الخَريق، كانت (هديل) الطفلة البريئة لم تكمل عامها الثامن، عينان براقتان كسرهما الزمن، خدان متوردان جثى عليهما طائر الأوساخ، الأنف تسيل سيولُه، الثياب مرقعة. مُحتبِئة عند باب المسجد لعلها تجد من يسد جوعها أو يطفئ لهيب عطشها. جلست متكورة وذقنها على ركبتيها وكأن جزيرة العرب بأوديتها وينابيعها وروضاتها ونخيلها ربضت كلها فوق كتفيها شاحَّة بأقل فضلَة عيشٍ للمسكينة. قُتل أبوها وحُرِّمَ الخروجُ على أُمها قسرا اتقاء الشبهات، فأصبح البيت بلا أبواب والصنابير من غير حنفية، والقناديل من دون زيت. لا أمَرَّ من عيش الجوع تحت عناقيد العنب البعيدة،...

كيف أصبحت أديباً؟

إليَّ عزيزي القارئ ولا ترتعب، وادنُ مني بلا وَهَلِ، فلستَ بالفراشة ولستُ من النارِ، بل قطرٌ على قطرٍ، وزُلال باردٌ سلسبيل، وسماءٌ مزينةٌ بالقناديل، فاجْهَد جَهْدَك معي كُله، فهنا نصائح كتاجِ المُلك، على جبينٍ من ذهب، وحروفٌ لن تجدها إلا عندي وسبعة من البشر، أنا منهم وهم ليسوا مني، فسبحان الواهب المنان، يُقسمُ فلا يُسأل، ويَرزقُ من غير حساب. أما بعد: فقد طالعتُ سؤالا وصلني مفاده كيف أصبحتُ أديباً؟ في رسالةٍ بليغة موجزة، جمعتْ الجزالةَ والرصانةَ في زِقٍ من السلامةِ والنصاعة، فالجواب هنا سمعا وطاعة، والنصح عندي في محضر الجماعة، لا في خلوةٍ أو مناعة، فأنا شمعةٌ ومنارة، وذو علمٍ ومهارة،...

كلمات إلى لينة القحطاني

المثال الناصع لشرف الفتاة المسلمة، ونقاء الثلج عندما يتجسد في جسد امرأة، جسدُ امرأة ضمت بين صدريها مبادئها الراسخة وعقيدتها القوية المتجذرة في جوف الأرض والمستمَدة من سراجٍ اسلامي واضح لا من تقاليد وعادات اجتماعية فقط، فكانت كالجبل الراسخ والطود العظيم أمام هبوب الرياح الهوجاء والأعاصير المدمرة. شامخةٌ أنفةٌ شريفة، أصابت بنجاحها أدعياء مناصرة المرأة في مقتل، فهدمت أركانهم وزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، جعلتهم يتمايلون ويتلاومون، ألقت عليهم بخطابٍ مِلؤه العزة والكرامة وكانت كلماتها كالسهم المسموم لكل فكرٍ شهواني وهي تقول (حجابي لم يكن حجر عثرة). نالت جائزة عربية قديرة، وما هذا بمستغرب...

حروف كأنها انتقام

في سرابِ الخيالِ مكنتِ. اختيار الوهمِ من الحقيقة. أبحرتِ إلي على مراكب الوصل، عطشى لشِربَة، سأمنحك.. ولكن الموت، سأمنحكِ الفناء، هو القيمة الحقة لبضاعة كانت مزجاة، ، ما العشق في سراديب الظلام بذي شمعة، وما الحبُ وسط أكوامِ الغُبارِ بمُستطاع، ، تتقلب صفحات الأيامِ برائحةِ  الماضي، يصيحُ ديكُ القومِ فنُغلق الآذان، تهتزُ نخيل الواحة طرباً وحزنا أحياناً، هي قطيعُ الأرواحِ تحملُها صفائحُ اللهب، بل خنادقُ الحياة من تحت طبقات الاحتجاج، هي مقاعد البرلمان المستبد الضاحك، ، سأسأل اللحظة، أيا لحظةٌ أأدمنتِ اللقاء، أم اعتدتِ الدفء والوفاء؟ هل اشتقتِ لذاك اللسان الرطب،...

بداية نهضة .

بداية نهضة إذا كانت السفينة تجتسرُ البحرَ من دونِ وضوح للرؤية فمصيرها الهلاك، والطائرة مع علو ارتفاعها إن كانت بلا خط مرسوم فارتطامها بالجبل أقرب من وصولها سالمة، ونحن البشر كذلك، فأكبر مشكلاتنا المعاصرة وخاصة الفكرية منها تندرج تحت عدم وضوح الرؤية والتباس المصطلح وغموض المعنى. تركنا لؤلؤ الأعماق واكتفينا بطحالب السطح، وامتهنّا بكل جدارة عمل الببغاء لنطوي خلف شفاهنا لسان الترديد والتكرار فقط. نفتقر الرؤية الواضحة لما تعنيه الكلمات ونتكاسل في تتبع مسارات المصطلحات فلا نعي ما المقصود وما تؤول إليه النهاية. فكلمات مثل: الحق والصدق أو الجمال والإبداع أو العدل والمساواة فهي متداولة...