المثقفون الرُّحل .

في زمان مضى، ومايزال البعض حتى الآن، ممن يقتصر رزقه على ناقة يحلبها، أو نعجة يذبحها، يرتحلون وراء مُزنٍ يهطل، وسحابةٍ تُمطر، وتستمر الرحلة كلما أجدبت أرضٌ وأخصبت أخرى. والسخرية تصنَّمت في أن الرحلة اقتبسها من ذاك البدوي الوفي مثقفٌ مُدعٍ، والضحكة تضمَّنت في أن القَتام يُرى جمالا، والهباء بهاءً، إمعةٌ مُدعٍ يرتحل كذلك وراء عقولٍ تُنهَب وفكرةٍ تُسلَب، بحثا عن شبهة، وتفتيشا عن ومضة، بعد أن أجدب خياله وجف وكاؤه، طُفيلي ما يحيدُ أن يكون ضامر عقلٍ، يقتات على موائد ذي النفوذ، فإن أجدبت مائدة ارتحل لمائدة أخرى. يملك قلما مداده من حساءٍ يُقدمه له سيده، فيشرب منه مرة، ويبلل قلمه به مرة، أطبق...

نظرةٌ للعلمِ البشري

لو أن التاريخ البشري منذ ولادته إلى لحظتنا هذه يُصوَّرُ كمشهدٍ نراه ونسمعه ونتعايش معه، هل يا ترى نستطيع أن نقطع بأمرِ وصولنا إلى ذروة التقدم البشري والتقني؟ هل نقوى أن نعتبر عام خمسة عشر وألفين قمة العلم البشري؟ ستبرز من بين المشاهد الكثير من المفاجآت والعجائب والتي سينكفئ العقل بها للتدبر مرة أخرى. نحن هنا في معمعةِ ما بعدِ غزو الفضاء وانشطار الذرة وتحليل الخلية واحراق القنابل وإهلاك المتفجرات وسموم الغازات، ولكن هذا لا يؤهلنا إلى التبجح بأننا على قمة القمم، وعلى النقيض من هذا فحتما لسنا في الدرك الأسفل أو في مرحلة منحطة حضاريا وعلمياً. فمن القاطع أننا في نهاية سلسلة بشرية لها من التجارب...

عصفور يُلهم .

في صوت عصفورٍ حزمة من الأسرار، أسرار تنبعث كنغمة لطيفة، وترانيم مُرتلة، تتخلل إلى النفس برائحة الطبيعة، رائحة التراب المبلل بماء المطر، ورائحة حبق الماء عند جريان الوادي، فتحمل معها كل معاني السكينة والأناة، هي ممحاة لكل معاني الألم، قاشعة لكل طبقات الغيظ، مُذللةٌ لكل ندبات الزمان، مانحة نفحة من دواء الطبيعة. تستلذ بها الأنفس من غير معرفة بكنهها ومعانيها، تسير خلال أسوار الهواء بانسياب الحب العذب وبيان العربي القُح وألحان الصفاء المُقدس، تطرب لها الأذن فتُصغي، وتسمو بها النفس فتخشع، هي من العُجمة لنا بمكان، ولكن الجمال هو من نقَّاها، والطبيعة من بعثها، والفقد من عرَّبها، والعدم من طرَّبها....

بناء الطاغية .

عندما اعتلى "خرّاص بن مُتظاهر" عرش الحِجابة أتته الوفود إثر الوفود، وانهالت عليه الرسائل الإلكترونية كالسيل الجارف، للتهنئة له بالعرش والدعاء بطول المُقام، حتى اضطر رحمه الله كما ذكر المؤرخون أن اقتنى جهازا آخر يحملُ ذاكرة أوسع وأكبر ليتمكن من استقبال الكم الوافر والحجم الكبير من الرسائل والصور الصوتية المُثقلة بالزغاريد وأناشيد الفرح. أتته القصائد العصماء زحفا، وركع أمامه البيان البليغ، وأُقيمت تحت رجليه المقامات المسجوعة، والتي كانت كما ذكرتها كُتب الأدب تقطرُ وفاءً وتسيل صدقا كما يسيل الندى على أوراق الورد أوقات الصباح، تتزاحم حروفها إجلالا وهيبة في مشهدٍ ينجلي عنده حاجز السماء الدنيا...