عشرينيات العشرين

سألني ذات مرة (عشيري) عن ماذا لو عادت بي عجلة الزمان وغاصت بي سراديب السنين والدهور والأيام ففي أي عصرٍ أريدها أن تقف وفي أي مكان أود أن أختار؟ فقلت له بلا تردد فالحلمُ كان في رأسي قد عشعش، والأماني في صدري مستوطنة وما جرى على لسانه معي كان يجيش في خاطري منذ زمان! أجبته والحسرة على محياي، هي القاهرة ساحرة عقلي وعينيّ، وفي العشرينيات من القرن العشرين غاية منتهاي. فالقاهرة للأعادي قاهرة والنيل هو: النِّيلُ العَذْبُ هو الكوْثرْ والجنةُ شاطئه الأخضرْ ريَّانُ الصَّفحةِ والمنظرْ ما أبهى الخلدَ وما أنضرْ ! فسرح خاطري وجال، فإذا أنا في شقة العقاد، استنشق الغبار وأتصفح كتبه وأتقلب داخل مكتبته...

الزلايب المُستضبعة .

أسوقُ العذر مُقدَماً، وأجتلبُ العفو مُعظِماً، القراء الأفاضل والأخوة الأكارم، لِعنوانٍ مُهلْهلاً كتبته، وأحرفٍ عامية نسختها تَقَدمت مقالي، ولكن عسى أن تجدوا لي بين طيات عفوكم صفحاً وفي شمائلكم حلماً وصبراً. فأنا ثائر مُغاضب لا غير. من أسوء ما تراه في بني جنسنا ما أسميته ( ذو الدّجلتين )، دجَّالون عياناً، دجَّالون إضماراً، يتسلقون الأسوار ويقفزون الدور، بِخُبثِ سريرة وسفالة هيئة، يُحاك في صدورهم الإثم والعدوان بعد أن رضعوا ألبان الثعالب وربوا جحور الأفاعي، طلقوا الإنسانية طلاقاً بائناً والتحفوا الشعر والصوف كقطة تلتصق بك ثم تخدشك وتصيبك بالمرض. جمعوا بين خصلتين أحلاهما العلقم، فإلى نفسه...

تسوييد بلا تبييض.

في شهر فبراير من العام الماضي دوت أصداء صحفنا المحلية ومجتمعنا بأحداثِ تهمة الفساد والرشوة والغش التي نُسبت إلى منسوبي إدارة التربية والتعليم في منطقة حائل متمثلة في رئيسها والقابع على قمة هرمها يومئذ الأستاذ: حمد العمران. وقبل الخوض فالمسلمُ ليس من أخلاقه الشماتة بأحد ولا الاستهزاء بأخ و لا التهكم بظالم أو مظلوم ولا الفرح بمصيبة تقع أو تهمة تُدفع. هذا إلا أن المجتمع – أي مجتمع – فيه من التفاضل والتباين في الأقدار والأرزاق والقامات والسمات والأخلاق فهناك الشريف والصادق والخائن والكاذب. وكلنا يجمعنا مسكنٌ واحد ووطن أُم نقفُ عليه وقفة الأمانة وموقف الإخلاص ونعتنق الشرف وننبذ اللُؤم فهذا...

انطلق من داخلك.

يربض على القلوب جاثوم الذل، ويستحوذ على التفكير مبدأ التشاؤم من سحابة أظلت بضلالها على أركان حياتنا وجنبات دنيانا حتى أصبحت حالة مرضية مستعصية العلاج حلت في القلوب وأنشبت أظفارها كشوكٍ انغرس في لفيفة قطن فإن أنت تركتها وخزت وإن أنت نزعتها مزقت. فتنظر لمن حولك فلا تجد كفاً يحمل شعلة التفاؤل أو قلبا أُشرب بإيمان الرضا. هي نارٌ موجودة ولهيبها محسوس ودخانها متصاعد ولكن لن يُطفئها تعنيف، ولن يُخمدها عتب، ولن يهمدها توبيخ. فإن لم تحمل الماء ولو في كفك فستصلاك تلك النار وتُحرق جلدك وتخنُق أنفاسك . في مجتمعنا لن تجلس في مجلسٍ أو تقعد في مقعدٍ إلا وتسمع مُنتحباً ينتحب. و مُتأوهاً يتأوه، وشاهقاً...

زوابع الفؤاد .

مع النشأةِ بصمةٌ متجذرةٌ لا تقتلعها آلة، ولا يمحو أثرها ريح السنين، كالنقش على الحجر والنحت في الصخر، عذراً فأنا مُخطئ فالحجرُ يتكسر والصخر يتحطم. بل هي نقشٌ بإبرة خياطة دقيقة الرأسِ على جدارِ قلبٍ كان ينبض بالأمل ويدفعُ الحياة دفعاً عسى أن يُحيي جسداً يتصارع صُبحه مع كتائب ليلِه. أغمضْ عينيك فما إن ينغرس رأسُ الإبرة لتجترح النقش حتى تتنبه كل شعرةٍ في جسدك فتمدُ أعناقها لتستجلي ما الخبر داخل هذا الغضّ الطري الذي لا يملكُ درعاً يحتمي به ولا سيفاً يُدافع به رأس الإبرة وهي تمشي الهوينا تاركةَ أثر الدماء خلفها و خاطّةً ما يستحق أن يبقى نقشا أحمرَ قانياً. طار غراب الرأسِ فارتقى الجرح وأصبح...

جُمجُمةٌ من حديد ..

لزاماً عليّ وفي مستهل حديثي أن أنطلق من قاعدةِ متينة أراها مناسبة للواقع والمقال وذلك لمنع المناوشات ودرأ الأخطار والمُهلكات وهي حديث رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأسِ كل سنة من يجدد لها دينها). وقد ذكر الكثير أن التجديد يُقصدُ به العودة للنبع الصافي والمصدر الزلال وهما (الكتاب والسنة) بعيدا عن شوائب التعصب والقُدسية والتقليد. فالتجديدُ سنة الله في كونهِ العظيم نلحظها تدبُ من حولنا ونشعرُ بها في كل مكان. قلت هذا ونحن في مجتمعٍ نشأنا فيه صغارا نلعب ثم شبابا نتعلم ثم شيوخا نعجز نتلقى فيه سيلا جارفاً من الوعظ الإسلامي والإرشاد الديني والبيان...

( سَلْبٌ )

 بحثتُ في الصباح،  في المساء، وعند الشجر . حلقَ العقلُ ثم أطلقَ النظر. غابتِ الشمسِ وطاف موعد السفر . سِرْتُ الجبالَ والوهادَ والطريق الوعر . في جوفي همةٌ لا تبردُ لا تتعبُ لا تستقر. ، أخفوكِ. غطوكِ. كَفروكِ. حجبوك كما الغجر . دفنوك تحت الحجر . ، مجرمون يخرقون المضاجع . سفاحون ينثرون الفواجع . ، أحفادُ أحفاد يهود. نقضوا العهد والعقود . أعلوا الجُدرَ والسدود . مكَّنوا الوحشَ والقرود . ، أين الزهور والإقحوان أين لحظات السعود.  أين الروض والسحاب ذات الرعود . ، اقذفي يا سموات ومُجي الروح لا تُحتٓضر . اقذفي يا سموات شهباً تخسفُ بمن غدر . أمطري نعم أمطري...

مُوَاءَمَة

غُصْ جوفي لنجعل الدفئ نورا ، أَقبضُ معصمك وأُحيطُ بعنِقك والعين تُبحِرُ في العين. أتذكّر حبيبي قبل أن أهنأ بقربك سنينَ ظلامي ولحظات عتمتي وخرفشة الخفافيش من حولي في سراديب الكهوف الملتوية حيث كنتُ أعيش.  كم من صرخةٍ صرختُها وأنا قابعةٌ داخل الوجار، غاضبة آكل من نفسي حطباً لأتقيأه بعد دقائق جمراً يندفنُ رماداً. تتصارع ألواني القانئة وتتقاتل ويُجندل بعضها بعضاً لتمنح الظلام ظلاماً والسواد سواداً . يحلُ ليلي فلا أنام قليلاً، فلم ينبتْ جفنيّ وأكره الدموع حقاً . عندما أخبرتُك كم من أختٍ لي ماتت وانطفأت شمعتها من أجل دمعة ، فغرتَ فاك ! أريدُ أن أبكي وأٌحبُ الحياة رغم اللهيب...

ثمار رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية للدكتور ( عمرو شريف )

  الدكتور عبد الوهاب المسيري عشقتُ فكره قبل أن أقرأ له، وجذبني نتاجه قبل أن أطّلع عليه، ذلك الدمنهوري النابغة، والمصري العبقري، والمفكر الجهبذ، والمسلم المُفكر. عاش صراعاً فكرياً تمخض عن عقلٍ جبار، ورؤية سديدة، وفكر ثاقب، ولمدة ربع قرنٍ من الزمن بدأه بسؤال الشك والحيرة والبحث عن إجابة لتلميذٍ يتملكه الإلحاح فاصطدم بمجتمع يحفظ ولا يُفكر ويردد ولا يُجدد. كانت حيرته عن الشر في العالم وما الحكمة من وجوده ولماذا الحروب والدواب والأفاعي والحسد والاستقواء والظلم وعن أصل الكون والإنسان. تساؤلات بديهية في مثل عمره عصفت به وحيداً كما تعصف الرياح بخرقة بالية، فكان الإعلان بمُقاطعة الصلاة والصوم...

رجالٌ من التاريخ

إن أردت التاريخ فهذا مجاله، وإن أردت الأدب فهنا منبعه ، وكأنك تشربُ من جدولٍ ماؤه التاريخ وحوافه الأدب. في تناغم عجيب وتلاحمٍ ساحر بصنعة صانعٍ ماهر و مُحترف بارع. مع رجال من التاريخ و في ليلتين حلقتُ فيها مع الشيخِ الأديبِ المرحوم ( علي الطنطاوي ) رحمه الله في حدائقه ورياضهِ الغناء وعلى سفوحِ جباله الخضراء، يصعد بي واحداً ويهبط بي الآخر . حُزتُ الفوائد الشريفة وقطفتُ الثمار اليانعة ونلتُ الربح الوفير الذي لم أجدهُ من مطالعةِ كُتبِ التاريخ وتعقيدات المؤرخين، وزادني أن أذاقني إياها في كأس الأدب الطنطاوي الشفاف اللامع وأسلوبه البليغ المُقنع الدامغ. كتابٌ كان حلقاتٍ في الإذاعة السورية فطبعها...

رسائل الروح .. ( الرسالة الثانية ) .

مهجة فؤادي وعين قلبي : أمانُ من الله عليكِ، و سلام من قلب مجروح لقلبك ، وتحية من كبدٍ مكلوم تصلك في مأمنك وتمنحك مأملك، وشوق من الفؤاد يحوم حولك حتى يتأبطك لهيبا و يلتهمك صبابةً. أتدرين أن بين الشوق والزمن خصومة وعداوة ، فلا الشوق ينتظر الزمن ولا الزمن يعير الشوق اهتماماً. فلا رابط بينهما كما ليس هناك رابط بين وقت رسائلي إليك وشوقي لك . فالشوق لك أثيث والحنين لك وافر وفرة الزمن نفسه. كانت قد ركدت مياه البحيرة وظهرت على سطحها الطحالب، ثم جالت في السماء سحبٌ سود يعقبها سحب سود، مثقلة كأنها سمينة في شهرها التاسع وسوط البرق يسوقها وسط دروب السماء وأزقة الفضاء حتى بلغت مكمنها ونفذ صبرها وتعالت...