نحو نظرة معتدلة.

لم نمتعض من زيادة الأسعار خوفا من فقرٍ أو خِشية هلاك، فنحن مؤمنون بأن الله الخالق الرازق المُحيي المميت، مؤمنون عقلا وفطرةً بأن من رزق أجداد أجدادنا سيرزق أحفاد أحفادنا كذلك. ليس هذا مربِط الفرس ولا بيت القصيد، ولكن كمواطنة بسيطة أرى أخي وقد جاوز الثلاثين وهو مازال يعمل على بندِ الأجور مع أنه لا يخلو من شهادة عالية، وابن أخي يستجدي علاجا، بينما المستشفيات فارغة، وقريبي سقط عاطلا في هاوية المخدرات، جراء الفراغ القاتل، بل وأرى المشاريع القائمة غير مُنجزة، كسراب في فلاة لا تنقطع، بينما هدرُ الملايين واضحا جليا لكل مُبصرٍ مُعتدلٍ بسبب انتشار الفساد واستشراء المحسوبية الجاهلية.  نرى كل...

دوامةٌ وَ دهلِيزٌ

يا رفيقي في نكبات الأيام وكبَتات الشعور، يامن دام يشاركني لحظات الانعتاق عند نقطة سوداء تؤوب إليها كتائب التشوق لنكرة ما، يامن يؤمن معي بأننا اكتفينا من نشرات الأخبار بموجز الطقس الحثيث، واستغنينا من تفسيرات الحروب بأحاديث كِبار القوم في المجالس، هلُم نتناجى في سماءٍ حالمة قاصية عن أرضٍ ضيقة، فهمسات بوحك مازالت هي مراكب الإنقاذ من لججِ المحيط الهادر. دعْ عنك خُزعبلات تُخط عند تموجِ سحائبِ النبتة الفاسدة بعد مشاهدَ تُقام خلف ستائر المسرح الراقص فهي لا تعدو أن تكون خيالات بزغت من عدمٍ بعد قرع أنيةٍ تشفُّ عن صُفرةٍ مُشِجت بحُمرة، أغوتنا سوياً بشعلةٍ لم تُسفر، وحرفٍ لم يُبين، ونغمةٍ لم...

صفعةٌ من نوعٍ آخر

يبدو أننا كائنات "شكّاية" لا تتقن غير التألم والعويل، نعتقد أننا محور الزمان، أو أن الحياة ستفنى إن نحن فنينا. من طبيعتنا أن نبحث عن مأوى ونلوذ بركن ونفتش عن رعاية وننقب عن كلمة تُحيينا أو إشارة تمنحنا أملا. حُب الذات فطرة، ولكن لا نتطرف بها إلى نظرة (هوبس) الشاذة والتي نظر هو من خلالها إلى أن حب الذات قاعدة أخلاقية وحيدة في البشر، حتى ذهب به ادعاؤه أن فسّر الضحك على أنه حالة نفسية لا تعدو أن تكون نوعا من الاستعلاء والكبرياء نستشعرها عند رؤية زلات الآخرين، ولا هي تتطرف إلى الناحية المُقابلة فتغدو قيمة مُهانة تحط من قدر صاحبها فتُركبه البغلة بعد الفرس الشهباء. دعونا من هذا التنظير المنكود...

بيان الخمسة والخمسين عالما.

من القبيح -فكريا على الأقل- أن تُجادل أحدهم في حقيقة ضوء النهار، وليس جميلا أن ينوء بك المراء لإقناع أحدهم بأن الشتاءَ باردٌ والصيف حار. أمورٌ مسلمٌ بها يتجاوزها كل عاقل حصيف. ومع هذا يبقى في النفس الإنسانية شيءٌ من طباعها لا تهجره ولا تخذله، وبالأخص إن كان الخصمُ يبثُ الداء تحت ستارِ الجهلِ ويتنقلُ بين المجالسِ لم يستُر كذبه ولم يُضمر كيده. وقف خمسة وخمسون عالما وقفةً أوجبتها عليهم عقيدة المسلم أخو المسلم ومبدأ النصح والتوجيه وباعث الإرشاد والهُدى وأصدروا بيانا واضحا جليا فصيحا، يصفون بين طياته عدوا روسياً ينهشُ أخا سورياً، يشدون من أزر الأخ إذ تكالبت عليه الأمم. فهمَ المعنى كما هو...

هديل الهشلمون، لاتصالحي .

عندما كانت العرب عربا، والرجال رجالا، يصدح الحق رغم أنف الطغاة، يُخرجُ الذل أعاصير هوجاء، تحتجبُ الشمسُ من آثارِ النقع فوق الرؤوس، تسوَد الصفراء، يرتج الكون غِبطة لغضبة الحق، كان هذا عندما كان الحق حقا في ذاته لا انعكاسا لضمائر تسجد للدرهم والدينار، وتفاهات تُرفع هنا وهناك. بالأمس البعيد في عصر الرجعية البريئة عن كل دنس، المُطهرة من كل عيب، كانت العِزة تحلفُ بكل روحٍ مسلمة، وتسجدُ ذاعنةً  لكل جبهة ساجدة، كان الإباء يسرحُ في مراعي الشرف ملتفةً حول الأرض يُلامس عنان السماء، كانت كلمةَ مظلومٍ تُدوي فوق منبر في صحراء نائية فتجاوبها أمواج المحيطات وشهب الشياطين. اليوم، وآهٍ من اليوم،...

لحظات تحت المطر.

راعٍ للغنم على قمةٍ شاهقة تخترق السحاب تارة ويلامسها تارة أخرى، يأخذني غروري لرفع يدي لعلي أبلغ السماء، تلامسُ وجهي ذرات الغمام فيرتعش جسدي من نسمات بردٍ لا يضر، للمكان رائحة امتزاج ألوان الطبيعة، فعشب أخضر مع ورد أصفر يبدو ويستترُ بحياء خلف ستار ذاك الغمام، تتراقص الأغنام نشوى وفرِحة، صغير يُشاغب بين أقدام أمه بحثا عن قطرات الحياة، وأخرى تقفز لاكتشاف معالم الكون الجديد، عشُّ حمامةٍ قابع في هدوء معلقٌ في السماء فيه ثلاث بيضات، تصمت صاحبته وتسكن مخافة أن تكتشفها يد الإنسان فيُحيل لحمها مشويا، وبيضها مقليا، في حفيف الأشجار حكاية، وفي سكون الأحجار رواية، حكاية تتحدث عن عزلة عاشت بعيدا عن الضجيج،...

الثعبان الأسود.

انتشر بين حيوانات الجزيرة وباءٌ غريب، وباءٌ يُعشعشُ في الجمجمة بين قشرة الرأس وبين المخ، يبدأ صُداعا ثم ينهشُ المخَ مسبباً آلاما قاتلة حتى يصل لمرحلته الأخيرة فيخرج قيحا وصديدا من العين اليمنى معلنا دنو لحظات الفناء. فَنِي أثناء تلك الحقبة القاسية من حيوانات الجزيرة كل حكيم، شمرت الأرض عن كل شيطان التحف تربتها، وحلّ الفراغ مُشردا الهواء، كأنها لعنة أرواح الأموات، عادت تنتقم لأجساد المقابر تحمل معها أصوات برزخ العذاب وسحق العظام. تنفلق ثمرةُ الجوز عن قطران الحقد فيخرج منها نبتتان تلتفان حول بعضهما صعودا إلى السماء، تصعدان حتى لا يُرى رأسيهما، يتحولُ السحاب لمعاول هدمٍ، وتمطرُ السماءُ...

المثقفون الرُّحل .

في زمان مضى، ومايزال البعض حتى الآن، ممن يقتصر رزقه على ناقة يحلبها، أو نعجة يذبحها، يرتحلون وراء مُزنٍ يهطل، وسحابةٍ تُمطر، وتستمر الرحلة كلما أجدبت أرضٌ وأخصبت أخرى. والسخرية تصنَّمت في أن الرحلة اقتبسها من ذاك البدوي الوفي مثقفٌ مُدعٍ، والضحكة تضمَّنت في أن القَتام يُرى جمالا، والهباء بهاءً، إمعةٌ مُدعٍ يرتحل كذلك وراء عقولٍ تُنهَب وفكرةٍ تُسلَب، بحثا عن شبهة، وتفتيشا عن ومضة، بعد أن أجدب خياله وجف وكاؤه، طُفيلي ما يحيدُ أن يكون ضامر عقلٍ، يقتات على موائد ذي النفوذ، فإن أجدبت مائدة ارتحل لمائدة أخرى. يملك قلما مداده من حساءٍ يُقدمه له سيده، فيشرب منه مرة، ويبلل قلمه به مرة، أطبق...

نظرةٌ للعلمِ البشري

لو أن التاريخ البشري منذ ولادته إلى لحظتنا هذه يُصوَّرُ كمشهدٍ نراه ونسمعه ونتعايش معه، هل يا ترى نستطيع أن نقطع بأمرِ وصولنا إلى ذروة التقدم البشري والتقني؟ هل نقوى أن نعتبر عام خمسة عشر وألفين قمة العلم البشري؟ ستبرز من بين المشاهد الكثير من المفاجآت والعجائب والتي سينكفئ العقل بها للتدبر مرة أخرى. نحن هنا في معمعةِ ما بعدِ غزو الفضاء وانشطار الذرة وتحليل الخلية واحراق القنابل وإهلاك المتفجرات وسموم الغازات، ولكن هذا لا يؤهلنا إلى التبجح بأننا على قمة القمم، وعلى النقيض من هذا فحتما لسنا في الدرك الأسفل أو في مرحلة منحطة حضاريا وعلمياً. فمن القاطع أننا في نهاية سلسلة بشرية لها من التجارب...

عصفور يُلهم .

في صوت عصفورٍ حزمة من الأسرار، أسرار تنبعث كنغمة لطيفة، وترانيم مُرتلة، تتخلل إلى النفس برائحة الطبيعة، رائحة التراب المبلل بماء المطر، ورائحة حبق الماء عند جريان الوادي، فتحمل معها كل معاني السكينة والأناة، هي ممحاة لكل معاني الألم، قاشعة لكل طبقات الغيظ، مُذللةٌ لكل ندبات الزمان، مانحة نفحة من دواء الطبيعة. تستلذ بها الأنفس من غير معرفة بكنهها ومعانيها، تسير خلال أسوار الهواء بانسياب الحب العذب وبيان العربي القُح وألحان الصفاء المُقدس، تطرب لها الأذن فتُصغي، وتسمو بها النفس فتخشع، هي من العُجمة لنا بمكان، ولكن الجمال هو من نقَّاها، والطبيعة من بعثها، والفقد من عرَّبها، والعدم من طرَّبها....

بناء الطاغية .

عندما اعتلى "خرّاص بن مُتظاهر" عرش الحِجابة أتته الوفود إثر الوفود، وانهالت عليه الرسائل الإلكترونية كالسيل الجارف، للتهنئة له بالعرش والدعاء بطول المُقام، حتى اضطر رحمه الله كما ذكر المؤرخون أن اقتنى جهازا آخر يحملُ ذاكرة أوسع وأكبر ليتمكن من استقبال الكم الوافر والحجم الكبير من الرسائل والصور الصوتية المُثقلة بالزغاريد وأناشيد الفرح. أتته القصائد العصماء زحفا، وركع أمامه البيان البليغ، وأُقيمت تحت رجليه المقامات المسجوعة، والتي كانت كما ذكرتها كُتب الأدب تقطرُ وفاءً وتسيل صدقا كما يسيل الندى على أوراق الورد أوقات الصباح، تتزاحم حروفها إجلالا وهيبة في مشهدٍ ينجلي عنده حاجز السماء الدنيا...