حيازةُ الحياة ومَنحُ ا لموت








في عصرٍ تمسكُ فيه قبضة (الأقوى) بتلابيب (الأضعف) وتُداس فيه (الشجيرة) بأقدام (الفيل) وتمتد يد (البالغ) لتخنق رئتي (النامي) ويموت عطشاً من بيته بجانب النهر، تُسنُ قوانين سنها الدب الغربي المسعور وأنزلها بمنزل المحتوم والتي تُمارٓسُ بمنطق الغاب وشراسة الأسد ضد الحيوان الأليف الضعيف ذي الحافر. يتعجبُ البعضُ من أمةِ العرب ويتعجب من جوها الخالي من العلماء الأفذاذ والعقول النيرة والأفكار المُلهمة ويسأل نفسه أين نَتاج هذا العدد من البشر وأين بحوثهم واختراعاتهم ومؤلفاتهم المعاصرة والموازية مع تقنيات العصر الحديث. لا يمكن اختفاء حضارة بأكملها أو قصور ثقافة كانت عملاقة بهذه البساطة، ألا يستطعن الحوامل أن ينجبن من يملك الفطنة والدهاء والعبقرية العقلية؟ هل هو ضعف الشعوب أم الخوف على العرش؟ أم هي مؤامرات تُحاك خارجية كانت أم داخلية ؟ ألا يحق للعرب أن يمتلكوا ولو مخلباً صغيرا يرهبون به أعدائهم ويتخلوا عن العصا التي يهشون بها على أغنامهم؟ ألا يحق لهم التسلح بسلاح القوة وسلاح الردع؟ ألا يحق لهم إنزال غطاء الضعف والتخلف عن كواهلهم؟
في قانون الطبيعة العادل يحق لهم ما يحق لغيرهم أما في قانون الغاب فقد سُنت القوانين وأُصدرت الأحكام من قضاة الأرض على العرب بالذل والهوان والقبوع في مؤخرة الركب، وما هذا إلا لهوان العرب في أنفسهم قبل هوانهم في أعين غيرهم.
هناك من يُنكر المؤامرة إنكارا تاماً، حسنا له ذلك ولكن سأتطرق هنا لثلاثة نماذج تدحض الشبهة وتكشف الغطاء وتُنير الفكر وتُفتق العقل، ثلاثة نماذج كالنجوم الساطعة في ظلام سماء العرب، وكالدرر الكامنة التي تهشمت تحت مطارق الخوف والحسد، ثلاثة نماذج أرادت نهضة أمّة ورقي شعب وتقدم عربٍ في الفكر والاقتصاد والقوة والاجتماع والسياسة، ولكن هناك لسان يرفض ويد تمنع.
دقق النظر عزيزي القارئ وأعمِل عقلك المتدبر وفؤادك المُتبصر ثم لك الحرية في استخراج النتائج لعلنا نتخيل إلى أين نستطيع أن نصل! سأسرد الثلاثة نماذج حسب تسلسها التاريخي فذاك أنكى للجرح وأوغل بالألم.
في عام (1898) وفي دمياط المصرية ولد فتى عبقري، داهية ألمعي يُسمى (على مصطفى مَشرفة) حاز المراتب الأولى في مراحل التعليم كافة فابتُعث للدراسة في جامعة لندن فحصل على البكالوريوس في الرياضيات ثم أتبعها وبثلاث سنوات بالدكتوراه في فلسلفة العلوم ثم وبعد سنة حصل على الدكتوراه في العلوم عام (1924) كأول مصري يحصل عليها ولم يسبقه على هذه الشهادة إلا عشرة علماء على مستوى العالم أجمع وكان عمره ستاً وعشرين سنة. عاد إلى بلاده حاملاً شعلة الأمل وشمعة العلم ويرى في بلاده التقدم الذي يطمح له والنجاح الذي يسمو إليه، عاد عالماً في الفيزياء ولُقب بـ(أنشتاين العرب) وانتج البحوث والكتب ومنها كتاب (الذرة والقنابل الذرية) في زمنٍ لم يكن في العالم العربي من سمع عن ماهية الذرة عوضاً عن القنابل الذرية. بل كان من القلائل الذي علِموا عن إمكانية تفتيت الذرة فحارب استخدامها حربياً، بالإضافة إلى أنه من أوائل من تحدثوا وتنبؤا عن إمكانية صنع (قنبلة هيدروجينية) من عنصر الهيدروجين.. ولكن الفاجعة بدأت عندما أعلن أنه ولابد لمصر أن تنتج قنبلة ذرية كأداة ردعٍ فعالة، وكالمعتاد فالملوك وأصحاب التاج لا يروقهم مثل هذا الطرح الجريء والذي يُغضب أسيادهم في الغرب فأثار بذلك حفيظة الملك فاروق الذي عزله عن منصبه بعد ذلك، وعندما زاد إصرار (مشرفة) على إدخال تطبيقات علم الذرة إلى مصر دفع ثمن ذلك بأن مات مسموماً عام (1950). نعم اغتيل العبقري الطموح واغتِيلت معه آمال أُمّة، وكان من أوائل من نعاه (البرت انشتاين(.
 لم تمت عقول الجهابذة فهاك النموذج الثاني وكانت أنثى عملاقة تُدعى العالمة الدكتورة (سميرة موسى) طالبة الدكتور (مشرفة) وهي أول عالمة ذرة مصرية وأول امرأة مُعيدة في كلية العلوم بجامعة القاهرة (فؤاد الأول)، سافرت في بعثة إلى بريطانيا لدراسة الإشعاع النووي، وعادت بشهادة الدكتوراه في (الأشعة السينية)، كانت تأمل أن يكون لمصر عصر تقدمٍ علميٍ بارزا تُصارع به بقية الدول الكبرى لتحقق معادلة السلام والعدل، قامت (سميرة) بتأسيس هيئة الطاقة الذرية ونظمت مؤتمر الذرة من أجل السلام في كلية العلوم، كانت تتمنى أن تصل بأبحاثها إلى استخدام الذرة لمعالجة السرطان لتُحقق فعلا انجازا للبشرية جمعاء. وفي ليلٍ شاتي وظُلمة دهماء وريح هوجاء من عام (1952) جاءتها دعوة من جامعة (سان لويس) لتجري في مختبراتها بعض البحوث والتجارب فسافرت وهناك في أمريكا جاءتها دعوة لزيارة المعامل النووية في ضواحي كاليفورنيا وفي أحد الطرق للمعامل النووية وفي أحد المنعطفات الوعرة قفز السائق الذي بجانبها من السيارة ليدعها تواجه مصيرها لوحدها مع شاحنة نقل ضخمة، فاصطدمت بسيارتها وحولتها من كومة حديد إلى قطعة صلصال، وليختفي ذاك السائق وبشكل نهائي وغريب عن الوجود، وليُغتال العقل العربي مرة أخرى ويُغتال الطموح والأمل.
كان الغرب يعلم أن في مقدور (سميرة) تفتيت المعادن الرخيصة إلى ذرات عن طريق التوصيل الحراري للغازات ومن ثم تصنيع قنبلة ذرية رخيصة التكاليف ولكنهم لا يريدونها أن تحمل الصبغة العربية والإنتاج العربي.
أيضا لم تمت عقول الجهابذة فهذا الثالث وهو الدكتور (يحيى المشد) عالم الذرة المصري – وآه على مصر كم أنجبت- الذي تخرج من جامعة الإسكندرية عام (1952) وابتعث إلى موسكو ليقضي ست سنوات ويعود متخصصا في هندسة المفاعلات النووية ليعمل في هيئة الطاقة النووية المصرية الذي أنشأتها (سميرة موسى) والذي جُمِّدت أعمالها بعد ذلك عقب نكسة (67)، لينتقل بعد ذلك إلى أحضان العراق ويُقيم بين نعمة الماء والنفط والآمال العراقية في بناء المفاعل النووي ليلتحق وبطلب من (صدام حسين) باتفاقية التعاون النووي العراقي الفرنسي، فأتعب الفرنسيين وأهلكهم في إصراره على أن تكون الشحنات النووية المرسلة لبغداد مطابقة للمواصفات المطلوبة فتم استدعاؤه على الفور إلى فرنسا للإشراف وبنفسه على شحنات اليورانيوم النووية. فذهب الأسد إلى المصيدة وهناك وفي فندق المريديان بباريس عُثر على (المشد) مُهشم الرأس ملطخاً بدمائه ليُقفل التحقيق وتُنسب الجناية إلى (مجهول)، وأسدل ستار التعتيم على مقتل (المشد) وبعد شهرين من اغتياله تم قصف المفاعل النووي العراقي من قبل اسرائيل، وبعد الحادثة بسنوات اعترف الموساد الإسرائيلي عن علاقته باغتيال (المشد). تم اغتيال العالم العبقري وقصف المفاعل والدجاج قابعٌ في قُنه يسجد للديك ويبيض البيض.

ثلاث قصص مؤلمة حد البكاء، مُبكية حد الجنون، مجنونة حد الموت، فيها تتجلى سياسة القوي والخوف المستتر من الآخر، مع دس العملاق  غصبا بداخل القمقم، ولكن سيأتي يومٌ ويتصدع هذا القمقم وينفجر عن شبح يأخذ بثأره وينتقم لتلك الدماء المسفوكة ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعال هنا واهمس لي عن رأيك